صديق الحسيني القنوجي البخاري
121
فتح البيان في مقاصد القرآن
يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها أي من وزرها والكفل الوزر ، واشتقاقه من الكساء الذي يجعله الراكب على سنام البعير لئلا يسقط ، يقال اكتفلت البعير إذا أدرت على سنامه كساء وركبت عليه لأنه لم يستعمل الظهر كله بل استعمل نصيبا منه ، ويستعمل في النصيب من الخير والشر ، ومن استعماله في الخير قوله تعالى : يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ [ الحديد : 28 ] . وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً أي مقتدرا قاله الكسائي ، وقال الفراء : المقيت الذي يعطي كل إنسان قوته ، يقال قته أقوته قوتا وأقته أقيته إقاتة فأنا قائت ومقيت ، وحكى الكسائي : أقات يقيت وقال أبو عبيدة : المقيت الحافظ ، قال النحاس : وقول أبي عبيدة أولى لأنه مشتق من القوت والقوت معناه مقدار ما يحفظ الإنسان ، وقال ابن فارس في المجمل : المقيت المقتدر والحافظ والشاهد ، وقال مجاهد : مقيتا أي شهيدا حسيبا حفيظا ، وقال سعيد بن جبير وابن زيد قادرا قديرا وعن الضحاك المقيت الرزاق « 1 » . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 86 إلى 87 ] وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً ( 86 ) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً ( 87 ) وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ ترغيب في فرد شائع من أفراد الشفاعة الحسنة بعد الترغيب فيها على الإطلاق ، فإن تحية السلام شفاعة من اللّه للمسلم عليه ، وأصل التحية تفعلة من حييت ، والأصل تحيية مثل ترضية وأصلها الدعاء بالحياة والتحية السلام . وهذا المعنى هو المراد هنا ومثله قوله تعالى : وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ [ المجادلة : 8 ] وإلى هذا ذهب جماعة من المفسرين ، وروي عن مالك أن المراد بالتحية هنا تشميت العاطس ، وقال أصحاب أبي حنيفة التحية هنا الهدية لقوله : أَوْ رُدُّوها ولا يمكن رد السلام بعينه وهذا فاسد لا ينبغي الالتفات إليه . والمراد بقوله : فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أي بأن يزيد في الجواب على ما قاله المبتدىء بالتحية ، فإذا قال المبتدىء السلام عليكم قال المجيب وعليكم السلام ورحمة اللّه ، وإذا زاد المبتدىء لفظا زاد المجيب على جملة ما جاء به المبتدىء لفظا أو ألفاظا نحو : وبركاته وتحياته ومرضاته . قال القرطبي : أجمع العلماء على أن الابتداء بالسلام سنة مرغّب فيها ورده فريضة لقوله : فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها وإنما اختار الشرع لفظ السلام على لفظ حيّاك اللّه لأنه أتم وأحسن وأكمل ولأن السلام من أسمائه تعالى .
--> ( 1 ) ومنه الحديث : « كفى بالمرء إثما ، أن يضيّع من يقوت » أخرجه أبو داود في الزكاة باب 45 ، وأحمد في المسند 2 / 160 ، 193 ، 194 ، 195 .