صديق الحسيني القنوجي البخاري

118

فتح البيان في مقاصد القرآن

في صحائف أعمالهم ما يُبَيِّتُونَ أي ما يزوّرون ويغيّرون ويقدّرون ، وقال ابن عباس : ما يسرون من النفاق ليجازيهم عليه ويحفظه عليهم ، وقال الزجاج : المعنى ينزّله عليك في الكتاب . فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ أي دعهم وشأنهم حتى يمكن الانتقام منهم وقيل معناه لا تخبر بأسمائهم وقيل لا تعاقبهم ، وقيل لا تغتر بإسلامهم وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ أي ثق به وفوض أمرك إليه في شأنهم وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا ناصرا لك عليهم ، أمره بالتوكل عليه والثقة به في النصر على عدوه ، قيل وهذا منسوخ بآية السيف . أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ الهمزة للإنكار والفاء للعطف على مقدر أي يعرضون عن القرآن فلا يتدبرونه يقال تدبرت الشيء تفكرت في عاقبته وتأملته ثم استعمل في كل تأمل ، والتدبر أن يدبر الإنسان أمره كأنه ينظر إلى ما يصير إليه عاقبته . ودلت هذه الآية وقوله تعالى : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها [ محمد : 24 ] على وجوب التدبر للقرآن ليعرف معناه ، والمعنى أنهم لو تدبروه حق تدبره لوجدوه مؤتلفا غير مختلف ، صحيح المعاني قوي المباني ، بالغا في البلاغة إلى أعلى درجاتها ، قال ابن عباس : أفلا يتفكرون فيرون تصديق بعضه لبعض وما فيه من المواعظ والذكر والأمر والنهي ، وأن أحدا من الخلق لا يقدر عليه . وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ كما يزعمون لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً أي تفاوتا وتناقضا كَثِيراً قاله ابن عباس ، ولا يدخل في هذا اختلاف مقادير الآيات والسور لأن المراد اختلاف التناقض والتفاوت وعدم المطابقة للواقع ، وهذا شأن كلام البشر لا سيما إذا طال وتعرض قائله للإخبار بالغيب فإنه لا يوجد منه صحيحا مطابقا للواقع إلا القليل النادر ، عن قتادة يقول : إن قول اللّه لا يختلف وهو حق ليس فيه باطل وإن قول الناس يختلف . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 83 ] وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَلِيلاً ( 83 ) وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ يقال أذاع الشيء وأطاع به إذا أفشاه وأظهره ، وهؤلاء جماعة من ضعفة المسلمين كانوا إذا سمعوا شيئا من أمر المسلمين فيه أمن نحو ظفر المسلمين وقتل عدوهم ، أو فيه خوف نحو هزيمة المسلمين وقتلهم أفشوه وهم يظنون أنه لا شيء عليهم في ذلك ، وقيل هم المنافقون كانوا يستخبرون عن حالهم ثم يشيعونه قبل أن يحدث به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم .