صديق الحسيني القنوجي البخاري
119
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ حتى يكون هو الذي يتحدث به ويظهره وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ وهم أهل العلم والبصيرة والعقول الراجحة الذين يرجعون إليهم في أمورهم أو هم الولاة عليهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ أي يستخرجونه بتدبّرهم وصحة عقولهم . والمعنى أنهم لو تركوا إذاعة الأخبار حتى يكون النبي صلى اللّه عليه وسلم هو الذي يذيعها ، أو يكون أولو الأمر منهم هم الذين يتولون ذلك لأنهم يعلمون بما ينبغي أن يفشى ويكتم ، والاستنباط مأخوذ من استنبطت الماء إذا استخرجته والنبط الماء المستنبط أول ما يخرج من ماء البئر عند حفرها ، وقيل إن هؤلاء الضعفة كانوا يسمعون إرجافات المنافقين على المسلمين فيذيعونها فتحصل بذلك المفسدة . وفي الآية إشارة إلى جواز القياس ، وأن من العلم ما يدرك بالنص وهو الكتاب والسنة ومنه ما يدرك بالاستنباط وهو القياس عليهما . وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ أي ما تفضل اللّه به عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ من إرسال رسوله وإنزال كتابه لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ فيما يأمركم به فبقيتم على كفركم إِلَّا قَلِيلًا منكم أو إلا اتباعا قليلا ، وقيل أذاعوا به إلا قليلا منهم فإنه لم يذع ولم يفش ، قاله الكسائي والأخفش والفراء وأبو عبيدة وأبو حاتم وابن جرير ، وقيل المعنى لعلمه الذين يستنبطونه إلا قليلا منهم ، قال الزجاج وبه قال الحسن وقتادة واختاره ابن قتيبة والأول أولى . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 84 إلى 85 ] فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً ( 84 ) مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً ( 85 ) فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ الفاء في قوله فقاتل قيل هي متعلقة بقوله : وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ النساء : 74 ] إلى آخره أي من أجل هذا فقاتل ، وقيل متعلقة بقوله : وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ النساء : 75 ] فَقاتِلْ وقيل تقديره إذا كان الأمر ما ذكر من عدم طاعة المنافقين فقاتل ، أو إذا أفردوك أو تركوك فقاتل . قال الزجاج : أمر اللّه رسوله صلى اللّه عليه وآله وسلم بالجهاد وإن قاتل وحده لأنه قد ضمن له النصر ، قال ابن عطية : هذا ظاهر اللفظ إلا أنه لم يجئ في خبر قط أن القتال فرض عليه دون الأمة ، والمعنى واللّه أعلم أنه خطاب له في اللفظ ، وفي المعنى له ولأمّته أي أنت يا محمد وكل واحد من أمتك يقال له فقاتل في سبيل اللّه لا تكلف غير نفسك ولا تلزم فعل غيرك وهو استئناف مقرر لما قبله ، لأن اختصاص تكليفه بفعل نفسه من موجبات مباشرته للقتال وحده .