صديق الحسيني القنوجي البخاري

116

فتح البيان في مقاصد القرآن

عليهم بقوله : قُلْ كُلٌّ من النعمة والبلية مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خلقا وإيجادا من غير أن يكون له مدخل في وقوع شيء منهما بوجه من الوجوه وليس كما تزعمون ، فأما الحسنة فإنعام من اللّه وأما السيئة فابتلاء منه . ثم نسبهم إلى الجهل وعدم الفهم فقال : فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ أي فما قال هؤلاء المنافقين أو ما شأن اليهود الذين قالوا ما قالوا : لا يَكادُونَ لا يقاربون يَفْقَهُونَ حَدِيثاً من الأحاديث أصلا أو معاني القرآن ، وأن الأشياء كلها من اللّه . ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ هذا الخطاب إما لكل من يصلح له من الناس أو لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تعريضا لأمّته أي ما أصابك من خصب ورخاء وخير ونعمة وصحة وسلامة فَمِنَ اللَّهِ بفضله ورحمته إحسانا منه إليك ، وتفضّلا منه عليك وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ أي جهد وبلاء وشدة ومكروه ومشقة وأذى فَمِنْ نَفْسِكَ أي بذنب أتيته وخطيئة اكتسبتها نفسك فعوقبت عليه ، وقيل هذا من كلام الذين لا يفقهون حديثا ، وقيل إن ألف الاستفهام مضمرة أي أفمن نفسك ومثله قوله تعالى : وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ [ الشعراء : 22 ] والمعنى أو تلك نعمة ومثله قوله تعالى : فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي [ الأنعام : 77 ] أي أهذا ربي . وقد ورد في الكتاب العزيز ما يفيد مفاد هذه الآية كقوله تعالى : وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [ الشورى : 30 ] وقوله : أَ وَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [ آل عمران : 165 ] . وقد يظن أن قوله : وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ مناف لقوله : كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [ النساء : 78 ] ولقوله : وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ [ آل عمران : 166 ] وقوله : نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [ الأنبياء : 35 ] وقوله : وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ [ الرعد : 11 ] . وليس الأمر كذلك فالجمع ممكن فإضافة الأشياء كلها إلى اللّه حقيقة ، وإلى فعل العبد مجازية : قال قتادة : حسنة أي نعمة وسيئة أي مصيبة كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي النعم والمصائب ، وعن أبي العالية قال : إن تصبهم حسنة هذه في السراء والضراء ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ قال : هذه في الحسنات والسيئات . وعن ابن عباس قال : الحسنة والسيئة من عند اللّه ، أما الحسنة فأنعم بها عليك وأما السيئة فابتلاك بها ، وما أصابك من سيئة قال : ما أصابه يوم أحد أن شجّ وجهه وكسرت رباعيّته . وقد تعلّق بظاهر هذه الآية القدرية وقالوا نفى اللّه السيئة عن نفسه ونسبها إلى الإنسان ولا متعلّق لهم بها لأنه ليس المراد منها الكسب ، بل ما يصيب الناس من