صديق الحسيني القنوجي البخاري

113

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خطاب للمؤمنين المأمورين بالقتال على طريق الالتفات وَ سبيل الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ حتى تخلصوهم من الأسر وتريحوهم مما هم فيه من الجهد ، ويجوز أن يكون منصوبا على الاختصاص أي وأخص المستضعفين فإنهم من أعظم ما يصدق عليه سبيل اللّه ، واختار الأول الزجاج والأزهري . وقال محمد بن يزيد اختار أن يكون المعنى وفي المستضعفين فيكون عطفا على السبيل لا على الجلالة وأن كانت أقرب على ما في تفسير الكواشي ، لأن خلاص المستضعفين من أيدي المشركين سبيل اللّه لا سبيلهم . والمراد بالمستضعفين هنا من كان بمكة من المؤمنين تحت إذلال الكفار ، وهم الذين كان يدعو لهم النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فيقول : « اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين » « 1 » كما في الصحيح . وفيه دليل على أن الجهاد واجب ، والمعنى لا عذر لكم في ترك الجهاد وقد بلغ حال المستضعفين ما بلغ من الضعف والأذى . وقد أخرج البخاري عن ابن عباس قال : أنا وأمي من المستضعفين « 2 » وفي رواية قال : كنت أنا وأمي ممن عذر اللّه وأنا من الولدان وأمي من النساء « 3 » ، ولا يبعد أن يقال إن لفظ الآية أوسع من هذا ، والاعتبار بعموم اللفظ لولا تقييده بقوله : الَّذِينَ يَقُولُونَ داعين رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها فإنه يشعر باختصاص ذلك بالمستضعفين الكائنين في مكة لأنه قد أجمع المفسرون على أن المراد بالقرية الظالم أهلها مكة وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يوالينا ويقوم بمصالحنا ويحفظ علينا ديننا وشرعنا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً ينصرنا على أعدائنا . وقد استجاب اللّه دعاءهم وجعل لهم من لدنه خير ولي وخير ناصر ، وهو محمد صلى اللّه عليه وسلم فتولّى أمرهم ونصرهم واستنقذهم من أيدي المشركين يوم فتح مكة ، وقال السيوطي : يسّر لبعضهم الخروج وبقي بعضهم إلى أن فتحت مكة ، وولّى صلى اللّه عليه وسلم

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 4 ، باب 21 ، ومسلم في المساجد حديث 295 ، وأبو داود في الوتر باب 10 . ( 2 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 4 ، باب 14 . ( 3 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 4 ، باب 14 .