صديق الحسيني القنوجي البخاري

108

فتح البيان في مقاصد القرآن

خاصم رجلا من الأنصار قد شهد بدرا مع النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في شراج من الحرة وكانا يسقيان به كلاهما النخل ، فقال الأنصاري : سرح الماء يمر ، فأبى عليه فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك » ، فغضب الأنصاري وقال يا رسول اللّه إن كان ابن عمتك ، فتلون وجه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثم قال : « اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر ثم ارسل الماء إلى جارك » « 1 » . واستوعى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم للزبير حقه ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه سعة له وللأنصاري ، فلما أحفظ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الأنصاري استوعى للزبير حقه في صريح الحكم ، فقال الزبير ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك . وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق ابن لهيعة عن الأسود أن سبب نزول الآية أنه اختصم إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رجلان فقضى بينهما فقال المقضي عليه ردّنا إلى عمر ، فردهما فقتل عمر الذي قال : ردّنا ، ونزلت الآية فاهدر النبي صلى اللّه عليه وسلم دم المقتول ، وأخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن مكحول فذكر نحوه ، وبين أن الذي قتله عمر كان منافقا ، وهما مرسلان والقصة غريبة ، وابن لهيعة فيه ضعف . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 66 إلى 68 ] وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ( 66 ) وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً ( 67 ) وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً ( 68 ) وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أي على هؤلاء الموجودين من اليهود والمنافقين كما كتبنا على بني إسرائيل أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ والمعنى لو كتب ذلك على المسلمين ما فعله إلا القليل منهم ، والضمير في فعلوه راجع إلى المكتوب الذي دل عليه كتبنا أو إلى القتل والخروج المدلول عليهما بالفعلين ، وتوحيد الضمير في مثل هذا قد قدمنا وجهه ، وقرىء قليل بالرفع على البدل وبالنصب على الاستثناء والرفع عند النحاة أجود . وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ من اتّباع الشرع والانقياد لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لَكانَ ذلك خَيْراً لَهُمْ وأنفع في الدنيا والآخرة من غيره على تقدير أن الغير فيه خير ، وهذا إذا كان على بابه ، ويحتمل أنه بمعنى أصل الفعل أي لحصل لهم خيرهما وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً لإقدامهم على الحق فلا يضطربون في أمر دينهم .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 4 ، باب 12 ، والصلح باب 12 ، والمساقاة باب 6 ، 8 ، ومسلم في الفضائل حديث 129 ، وأبو داود في الأقضية باب 31 ، والترمذي في الأحكام باب 26 ، وتفسير سورة 4 ، باب 13 ، وابن ماجة في المقدمة باب 2 ، والرهون باب 2 ، والنسائي في القضاة باب 19 ، 27 ، وأحمد في المسند 1 / 166 ، 4 / 5 .