صديق الحسيني القنوجي البخاري
109
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَإِذاً أي وقت فعلهم لما يوعظون به لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً أي ثوابا وافرا جزيلا وهو الجنة وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً لا عوج فيه ليصلوا إلى الخير الذي يناله من امتثل ما أمر به وانقاد لمن يدعوه إلى الحق ، قال ابن عباس : يعني دين الإسلام وقيل الأعمال الصالحة المؤدية إلى الصراط الذي يمر عليه الناس إلى الجنة . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 69 ] وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ( 69 ) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ كلام مستأنف لبيان فضل طاعة اللّه والرسول فيما أمرا به إيجاب أمر أو ندب ، أو فيما نهيا عنه نهي تحريم أو كراهة ، فالمراد بالطاعة الانقياد التام لجميع الأوامر والنواهي . والإشارة بقوله : فَأُولئِكَ أي المطيعين كما يفيده من مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بدخول الجنة والوصول إلى ما أعد اللّه لهم مِنَ النَّبِيِّينَ بيان للذين ، وفي الآية سلوك طريق التدلّي فإن منزلة كل واحد من الأصناف الأربعة أعلى من منزلة ما بعده . وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ الصدّيق المبالغ في الصدق كما تفيده الصيغة ، وقيل هم فضلا ، أتباع الأنبياء ، والشهداء من ثبت لهم الشهادة في سبيل اللّه أو الذين استشهدوا يوم أحد والأول أولى ، والصالحون أهل الأعمال الصالحة ، وقيل المراد بالنبيين محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم ، وبالصديقين أبو بكر ، وبالشهداء عمر وعثمان وعلي وبالصالحين سائر الصحابة ، والعموم أولى ولا وجه للتخصيص . وَحَسُنَ أُولئِكَ الأصناف الأربعة وفيه معنى التعجب كأنه قال : وما أحسن أولئك رَفِيقاً في الجنة ، والرفيق مأخوذ من الرفق وهو لين الجانب والمراد به المصاحب لاتفاقك بصحبته ، ومنه الرفقة لارتفاق بعضهم ببعض ، وإنما وحّد الرفيق وهو صفة الجمع لأن العرب تعبّر به عن الواحد والجمع . وقيل معناه : وحسن كل واحد من أولئك رفيقا في الجنة بأن يستمتع فيها برؤيتهم وزيارتهم والحضور معهم وإن كان مقرهم في الدرجات العالية بالنسبة إلى غيرهم . وأخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والضياء المقدسي في صفة الجنة وحسنه عن عائشة قالت : جاء رجل إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه إنك لأحب إليّ من نفسي وإنك لأحب إليّ من ولدي وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين ، وأني إذا دخلت خشيت أن لا أراك فلم يرد عليه النبي صلى اللّه عليه وسلم حتى نزل جبريل بهذه الآية .