صديق الحسيني القنوجي البخاري

107

فتح البيان في مقاصد القرآن

مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ [ النساء : 64 ] فلا يختص بالمقصودين بقوله : يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ [ النساء : 60 ] وهذا في حياته صلى اللّه عليه وسلم ، وأما بعد موته فتحكيم الكتاب والسنة تحكم الحاكم بما فيهما من الأئمة والقضاة إذا كان لا يحكم بالرأي المجرد مع وجود الدليل في الكتاب والسنة أو في أحدهما ، وكان يعقل ما يرد عليه من حجج الكتاب والسنة بأن يكون عالما باللغة العربية وما يتعلق بها من نحو وتصريف ومعاني وبيان ، عارفا بما يحتاج إليه من علم الأصول بصيرا بالسنة المطهرة مميزا بين الصحيح وما يلحق به ، والضعيف وما يلحق به ، منصفا غير متعصب لمذهب من المذاهب ولا لنحلة من النحل ، ورعا لا يحيف ولا يميل في حكمه . فمن كان هكذا فهو قائم في مقام النبوة ، مترجم عنها ، حاكم بأحكامها ، وفي هذا الوعيد الشديد ما تقشعر له الجلود ، وترجف له الأفئدة فإنه أولا أقسم سبحانه بنفسه مؤكدا لهذا القسم بحرف النفي بأنهم لا يؤمنون فنفى عنهم الإيمان الذي هو رأس مال صالحي عباد اللّه حتى تحصل لهم غاية هي تحكيم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ثم لم يكتف سبحانه بذلك حتى قال : ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ فضم إلى التحكيم أمرا آخر هو عدم وجود حرج أي حرج في صدورهم ، فلا يكون مجرد التحكيم والإذعان كافيا حتى يكون من صميم القلب عن رضا واطمئنان ، وانثلاج قلب وطيب نفس . ثم لم يكتف بهذا كله بل ضم وإليه قوله : وَيُسَلِّمُوا أي يذعنوا وينقادوا ظاهرا وباطنا . ثم لم يكتف بذلك بل ضم إليه المصدر المؤكد فقال : تَسْلِيماً فلا يثبت الإيمان لعبد حتى يقع منه هذا التحكيم ثم لا يجد الحرج في صدره بما قضى عليه ويسلم لحكمه وشرعه تسليما لا يخالطه رد ، ولا تشوبه مخالفة . قال الرازي : ظاهر الآية يدل على أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس ، لأنه يدل على أنه يجب متابعة قوله وحكمه على الاطلاق ، وأنه لا يجوز العدول منه إلى غيره . ومثل هذه المبالغة المذكورة في هذه الآية قلما يوجد في شيء من التكاليف ، وذلك يوجب تقديم عموم القرآن والخبر على حكم القياس . وقوله : ثُمَّ لا يَجِدُوا إلى آخره مشعر بذلك لأنه متى خطر بباله قياس يفضي إلى نقيض مدلول النص فهناك يحصل الحرج في النفس ، فبين تعالى أنه لا يكمل إيمانه إلا بعد أن لا يلتفت إلى ذلك الحرج ويسلم للنصّ تسليما كليا ، وهذا الكلام قوي حسن لمن أنصف انتهى . أخرج البخاري ومسلم وأهل السنة وغيرهم عن عبد اللّه بن الزبير أن الزبير