صديق الحسيني القنوجي البخاري

86

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ يعني الكافرين وقيل المنافقين وقيل اليهود ، ولا خلاف في أن هذا من كلام اللّه سبحانه ، قال القرطبي ، فيه دلالة لمذهب أهل السنة أن الهدى والضلال من اللّه ، والفسق الخروج عن الشيء ، ذكر معنى هذا الفراء ، وقد زعم ابن الأعرابي أنه لم يسمع قط في كلام الجاهلية ولا في شعرهم « فاسق » وهذا مردود عليه فقد حكي ذلك عن العرب وأنه من كلامهم جماعة من أئمة اللغة كابن فارس والجوهري وابن الأنباري وغيرهم . وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « خمس فواسق » « 1 » الحديث ، وقال في الكشاف الفسق الخروج عن القصد ، ثم قال والفاسق في الشريعة الخارج عن أمر اللّه بارتكاب الكبيرة اه . وقال القرطبي الفسق في عرف الاستعمال الشرعي الخروج عن طاعة اللّه عز وجل فقد يقع على من خرج بكفر ، وعلى من خرج بعصيان اه . وهذا هو أنسب للمعنى اللغوي ، ولا وجه لقصره على بعض الخارجين دون بعض . قال الرازي في تفسيره : واختلف أهل القبلة هل هو مؤمن أو كافر ، فعند أصحابنا هو مؤمن ، وعند الخوارج أنه كافر ، وعند المعتزلة أنه لا مؤمن ولا كافر ، واحتج المخالف بقوله بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ [ الحجرات : 11 ] قوله : إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ [ التوبة : 67 ] وقوله : حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ [ الحجرات : 7 ] وهذه المسألة طويلة مذكورة في علم الكلام اه . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 27 إلى 29 ] الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 27 ) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 28 ) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 29 ) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ النقض إفساد ما أبرم من بناء أو حبل أو عهد ، والنقاضة ما نقض من حبل الشعر ، وقيل أصل النقض الفسخ وفك المركب ، والمعنى متقارب ، والمعنى يتركون ويخالفون ، وأصل العهد حفظ الشيء ومراعاته حالا بعد حال والعهد قيل هو الذي أخذه اللّه على بني آدم حين استخرجهم من ظهره وهو

--> ( 1 ) تمام الحديث : « خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم » ، أخرجه مسلم في الحج حديث 67 ، 68 ، 69 ، والنسائي في المناسك باب 113 ، 114 ، 118 ، 119 ، وابن ماجة في المناسك باب 91 ، ومالك في الحج حديث 91 ، وأحمد في المسند 6 / 23 ، 87 ، 97 ، 122 ، 164 ، 259 ، 261 .