صديق الحسيني القنوجي البخاري
87
فتح البيان في مقاصد القرآن
قوله : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [ الأعراف : 172 ] وقيل هو وصية اللّه إلى خلقه وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته ، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته في كتبه على ألسن رسله ، ونقضهم ذلك ترك العمل به ، وقيل بل هو نصب الأدلة على وحدانيته بالسموات والأرض وسائر مخلوقاته ، ونقضه ترك النظر فيه ، وقيل هو ما عهده إلى الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس . مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ الضمير للعهد أو للّه تعالى ، قاله السمين ، وعلى الأول مصدر مضاف إلى المفعول ، وعلى الثاني مضاف للفاعل ، « ومن » لابتداء الغاية فإن ابتداء النقض بعد الميثاق ، والميثاق العهد المؤكد باليمين مفعال من الوثاقة وهي الشدة في العقد والربط جميعا ، والجمع المواثيق والمياثيق ، واستعمال النقض في إبطال العهد على سبيل الاستعارة . وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ القطع معروف والمصدر في الرحم القطيعة ، واختلفوا ما هو الشيء الذي أمر اللّه بوصله فقيل الأرحام وموالاة المؤمنين ، وقيل وصل القول بالعمل لزوم الجماعات المفروضة ، وقيل أمر أن يوصل التصديق بجميع أنبيائه فقطعوه بتصديق بعضهم وتكذيب البعض الآخر ، وقيل المراد به حفظ شرائعه وحدوده التي أمر في كتبه المنزلة على ألسن رسله بالمحافظة عليها ، وقيل سائر ما فيه رفض خير أو تعاطي شر ، فإنه يقطع الوصلة بين اللّه وبين عبده فهي عامة ، وبه قال الجمهور وهو الحق ، والأمر هو القول الطالب للفعل ، وقيل مع العلو ، وقيل مع الاستعلاء ، وبه الأمر الذي هو واحد الأمور تسمية للمفعول به بالمصدر فإنه مما يؤمر به . وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ يعني بالمعاصي وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والقرآن والاستهزاء بالحق وقطع الوصل التي بها نظام العالم وصلاحه ، فالمراد بالفساد في الأرض الأفعال والأقوال المخالفة لما أمر اللّه به كعبادة غيره ، والإضرار بعباده ، وتغيير ما أمر بحفظه ، وبالجملة فكل ما خالف الصلاح شرعا أو عقلا فهو فساد ، وهؤلاء لما استبدلوا النقض بالوفاء ، والقطع بالوصل كان عملهم فسادا لما نقضوا أنفسهم من الفلاح والربح ، وعن قتادة قال ما نعلم اللّه أوعد في ذنب ما أوعد في نقض هذا الميثاق ، فمن أعطى عهد اللّه وميثاقه من ثمرة قلبه فليوف به اللّه ، وقد ثبت عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في أحاديث ثابتة في الصحيح وغيره من طريق جماعة من الصحابة النهي عن نقض العهد والوعيد الشديد عليه . أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ أي المغبونون بإهمال العقل عن النظر ، واقتناص ما يفيدهم الحياة الأبدية ، وأصل الخسار والخسران النقصان ، والخاسر هو الذي نقص نفسه من الفلاح والفوز ، قال مقاتل : الخاسرون هم أهل النار ، وقال ابن عباس كل