صديق الحسيني القنوجي البخاري
76
فتح البيان في مقاصد القرآن
الأصابع على بعضها مجاز مشهور ، والعلاقة الجزئية والكلية لأن الذي يجعل في الأذن إنما هو رأس الأصبع لا كلها ، والصواعق ، ويقال الصواعق هي قطعة نار تنفصل من مخراق الملك الذي يزمجر السحاب عند غضبه وشدة ضربه لها ، ويدل على ذلك حديث ابن عباس المذكور قريبا ، وبه قال كثير من علماء الشريعة ، ومنهم من قال إنها نار تخرج من فم الملك ، وقال الخليل هي الوقعة الشديدة من صوت الرعد يكون معها أحيانا قطعة نار تحرق ما أتت عليه ، وقال أبو زيد الصاعقة نار تسقط من السماء في رعد شديد ، وقال بعض المفسرين تبعا للفلاسفة ومن قال بقولهم إنها نار لطيفة تنقدح من السحاب إذا اصطكت أجرامها ، وسيأتي في سورة الرعد إن شاء اللّه تعالى في تفسير الرعد والبرق والصواعق ما له مزيد فائدة وإيضاح ، وعن ابن عمر أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا سمع صوت الرعد والصواعق قال : « اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك » « 1 » ، أخرجه الترمذي وقال حديث غريب حَذَرَ الْمَوْتِ أي مخافة الهلاك ، والموت ضد الحياة وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ أي عالم بحالهم وقيل يجمعهم ويعذبهم والإحاطة الأخذ من جميع الجهات حتى لا يفوت المحاط به بوجه من الوجوه . يَكادُ الْبَرْقُ أي يقرب يقال كاد يفعل ولم يفعل يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ أي يختلسها والخطف استلاب الشيء والأخذ بسرعة كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ يعني البرق مَشَوْا فِيهِ أي في إضاءته ونوره وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا أي وقفوا متحيرين وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ أي بصوت الرعد وَأَبْصارِهِمْ بوميض البرق إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أي هو الفاعل لما يشاء لا منازع له فيه ، والآية على عمومها بلا استثناء ، وفيه دليل على أن الحادث حال حدوثه والممكن حال بقائه مقدوران لا كما زعم المعتزلة من أن الاستطاعة قبل الفعل . وهذا مثل آخر ضربه اللّه للمنافقين ، والمنافقون أصناف منهم من يظهر الإسلام ويبطن الكفر ، ومنهم من قال فيه النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « ثلاث من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه واحدة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها ، من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان » « 2 » وورد بلفظ أربع وزاد وإذا خاصم فجر ، وورد بلفظ إذا عاهد غدر ، وقد ذكر ابن جرير ومن تبعه من المفسرين أن هذين المثلين لصنف واحد من المنافقين .
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في الدعوات باب 49 ، وأحمد في المسند 2 / 100 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الإيمان باب 24 ، والشهادات باب 28 ، والوصايا باب 8 ، والأدب باب 69 ، ومسلم في الإيمان حديث 107 ، 108 ، والترمذي في الإيمان باب 20 ، وأحمد في المسند 2 / 200 ، 291 ، 357 ، 397 ، 536 .