صديق الحسيني القنوجي البخاري
77
فتح البيان في مقاصد القرآن
يا أَيُّهَا النَّاسُ لم يقع النداء في القرآن بغير « يا » من الأدوات والنداء في الأصل طلب الإقبال والمراد به هنا التنبيه وأي مبني على الضم في محل نصب والناس نعت لأي على اللفظ وحركته إعرابية وحركة أي بنائية ، واستشكل رفع التابع مع عدم عامل الرفع ، والنداء على سبع مراتب : نداء مدح كقوله : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ [ الأنفال : 65 وغيرها ] و يا أَيُّهَا الرَّسُولُ [ المائدة : 41 ] ، ونداء ذم كقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا [ الجمعة : 6 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا [ التحريم : 7 ] ونداء تنبيه كقوله : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ [ الانشقاق : 6 ] يا أَيُّهَا النَّاسُ ونداء إضافة كقوله : يا عِبادِيَ [ الزمر : 53 ] ونداء نسبة كقوله : يا بَنِي آدَمَ [ الأعراف : 26 وغيرها ] يا بَنِي إِسْرائِيلَ [ البقرة : 40 ] ، ونداء تسمية كقوله : يا داوُدُ [ ص : 26 ] يا إِبْراهِيمُ [ هود : 76 ] ، ونداء تضيف كقوله : يا أَهْلَ الْكِتابِ [ آل عمران : 64 ] ، قاله الكرخي . قال ابن عباس يا أَيُّهَا النَّاسُ خطاب لأهل مكة ويا أيها الذين آمنوا خطاب لأهل المدينة وهو هنا خطاب عام لسائر المكلفين ، والحق أن ما قاله ابن عباس أكثري لا كلّي ، فإن البقرة والنساء والحجرات مدنيات وفاقا ، وقد قال في كل منها يا أيها الناس . اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ قال ابن عباس وحدوا ، وكل ما ورد في القرآن من العبادة قيل معناه التوحيد . وأصل العبادة غاية التذلل ، وقد تقدم تفسيرها والمعنى ابتدع خلقكم من غير مثال سبق ، وإنما خص نعمة الخلق وامتن بها عليهم لأن جميع النعم مترتبة عليها وهي أصلها الذي لا يوجد شيء منها بدونها ، وأيضا فالكفار يقرون بأن اللّه هو الخالق وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [ الزخرف : 87 ] فامتن عليهم بما يعترفون به فلا ينكرونه ، وفي أصل معنى الخلق وجهان أحدهما : التقدير يقال خلقت الأديم للسقاء إذا قدرته قبل القطع الثاني : الإنشاء والاختراع والإبداع . وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بالذات أو الزمان أي وخلقهم لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ولعل أصلها الترجي والطمع والتوقع والإشفاق ، وذلك مستحيل على اللّه تعالى ولكنه لما كان في المخاطبة منه للبشر كان بمنزلة قوله لهم افعلوا ذلك على الرجاء منكم والطمع ، وبهذا قال جماعة من أهل العربية منهم سيبويه ، وقيل بمعنى لام كي أي لتتقوا وبهذا قال جماعة منهم قطرب والطبري ، وقيل إنها بمعنى التعرض للشيء كأنه قال متعرضين للتقوى وإليه مال أبو البقاء وغيره . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 22 إلى 23 ] الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 22 ) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 23 ) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً أي خلق لكم الأرض بساطا ووطاء مذللة ولم