صديق الحسيني القنوجي البخاري

75

فتح البيان في مقاصد القرآن

أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ أو : حرف الشك لقصد التخيير بين المثلين أي مثلوهم بهذا أو هذا ، وهي وإن كانت في الأصل للشك فقد توسع فيها حتى صارت لمجرد التساوي من غير شك ، وقال الفراء وغيره أنها بمعنى الواو ، والصيب المطر واشتقاقه من صاب يصوب إذا نزل ، وكل ما نزل من الأعلى إلى الأسفل فهو صيب ، والسماء في الأصل كل ما علاك فأظلك ، ومنه قيل لسقف البيت سماء ، والسماء أيضا المطر سمي بها لنزوله منها ، وإطلاق السماء على المطر واقع كثيرا في كلام العرب ، وقيل من السماء بعينها ، وإنما ذكر اللّه تعالى من السماء وإن كان المطر لا ينزل إلا منها ليرد على زعم أن المطر ينعقد من أبخرة الأرض فأبطل مذهب الحكماء بقوله : مِنَ السَّماءِ ليعلم أن المطر منها لا كما هو زعمهم الباطل . فِيهِ ظُلُماتٌ أي في الصيب ، وبه قال جمهور المفسرين ، وقال السيوطي في السحاب وهو خلاف ظاهر نظم الآية ، وقيل ( في ) بمعنى مع ، وإنما جمع الظلمات إشارة إلى أنه انضم إلى ظلمة الليل ، ظلمة الغيم والمطر وَرَعْدٌ اسم لصوت الملك الذي يزجر السحاب ، وقد أخرج الترمذي من حديث ابن عباس قال : سألت اليهود النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن الرعد ما هو ؟ ، قال « ملك من الملائكة بيده مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث يشاء اللّه » قالوا فما هذا الصوت الذي يسمع ؟ قال : « زجره بالسحاب إذا زجره حتى ينتهي إلى حيث أمر » ، قال : « صدقت » « 1 » ، الحديث بطوله وفي إسناده مقال ، وعلى هذا التفسير أكثر العلماء ، وقيل هو اضطراب أجرام السحاب عند نزول المطر منها وإلى هذا ذهب جمع من المفسرين تبعا للفلاسفة وجهلة المتكلمين ، وقيل غير ذلك ، قال ابن عباس : الرعد اسم ملك يسوق السحاب ، والبرق لمعان سوطه من نور يزجر به السحاب ، وقيل الرعد اسم ملك يزجر السحاب إذا تبددت جمعها وضمها فإذا اشتد غضبه يخرج من فيه النار فهي البرق وَبَرْقٌ النار التي تخرج منه ، أي مخراق بيد الملك الذي يسوق السحاب ، وإليه ذهب كثير من الصحابة وجمهور علماء الشريعة للحديث السابق ، وقال بعض المفسرين تبعا للفلاسفة أن البرق ما ينقدح من اصطكاك أجرام السحاب المتراكمة من الأبخرة المتصعدة المشتملة على جزء ناري يلهب عند الاصطكاك . يَجْعَلُونَ أي أصحاب الصيب أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ إطلاق

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في تفسير سورة 13 ، باب 1 ، وأحمد في المسند 1 / 274 .