صديق الحسيني القنوجي البخاري
66
فتح البيان في مقاصد القرآن
قلت : وقد أطال المحققون الكلام على هذا بما لا يتسع له المقام ، واختلف من بعدهم في ترجيح الراجح من القولين ، وقد جمع العلامة الشوكاني في ذلك رسالة مستقلة سماها الطود المنيف ، في ترجيح ما قاله السعد على ما قاله الشريف ، فليرجع إليها من أراد أن يتضح له المقام ، ويجمع بين أطراف الكلام على التمام ، وحاصلها أن الحق في جانب السعد وأن الصواب بيده ، وقد تقدمه إلى مثل هذا العلوي في حاشيته على الكشاف ، وليس للسعد فيه زيادة على ما يفيده كلام الزمخشري إلا مجرد الإيضاح ، ولم يأت بشيء من طرفه يستحق المؤاخذة عليه انتهى . أقول : فالحق اجتماع الاستعارة التبعية والتمثيلية ، وذلك هو محل النزاع وقد اعترف الشريف بأن المقام صالح لهما لكن ادعى امتناع اجتماعهما ، ويدلك على أن الاستعارة التبعية تمثيلية الاستقراء ، وبه يشعر قول إمام الفن السكاكي صاحب المفتاح ، وهذا صريح فيما صرح به السعد واللّه أعلم . وَأُولئِكَ في تكرير اسم الإشارة دلالة على أن كلّا من الهداية الماضية والفلاح الآتي بحيث لو انفرد أحدهما لكفى مميزا على حياله . هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي المنجحون الناجون الفائزون نجوا من النار ، وفازوا بالجنة ، والمفلح الظافر بالمطلوب ، والفلاح أصله في اللغة الشق والقطع قاله أبو عبيد ، قال القرطبي : وقد يستعمل في الفوز والبقاء وهو أصله أيضا في اللغة فمعناه الفائزون بالجنة ، والباقون فيها ، وقال في الكشاف : المفلح الفائز بالبغية كأنه الذي انفتحت له وجوه الظفر ولم تستغلق عليه ، انتهى . وقد استعمل الفلاح في السحور ، ومنه الحديث الذي رواه أبو داود « حتى كاد يفوتنا الفلاح قلت ما الفلاح ؟ قال السحور » « 1 » وكأن معنى الحديث أن السحور به بقاء الصوم فلهذا سمي فلاحا ، وضمير الفصل ويسمى عمادا له فوائد ذكرها الخفاجي منها الدلالة على اختصاص المسند إليه بالمسند دون غيره ، وقد ورد في فضل هذه الآيات الشريفة أحاديث . ثم ذكر سبحانه فريق الشر بعد الفراغ من ذكر فريق الخير قاطعا لهذا الكلام عن الكلام الأول معنونا له بما يفيدان شأن جنس الكفرة عدم إجداء الإنذار لهم ، وأنه لا يترتب عليه ما هو المطلوب منهم من الإيمان وأن وجود ذلك كعدمه فقال :
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في رمضان باب 1 ، والترمذي في الصوم باب 81 ، والنسائي في السهو باب 103 ، وقيام الليل باب 4 ، وابن ماجة في الإقامة باب 173 ، والدارمي في الصوم باب 54 ، وأحمد في المسند 5 / 160 ، 163 .