صديق الحسيني القنوجي البخاري
67
فتح البيان في مقاصد القرآن
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 6 إلى 9 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 6 ) خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 7 ) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ( 8 ) يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ ( 9 ) إِنَّ الَّذِينَ التعريف للعهد أو للجنس ، والثاني أولى كَفَرُوا أي جحدوا وأنكروا ، وأصل الكفر في اللغة الستر والتغطية ومنه سمي الكافر كافرا لأنه يغطي بكفره ما يجب أن يكون عليه من الإيمان سَواءٌ عَلَيْهِمْ أي متساو لديهم ، وسواء اسم مصدر بمعنى الاستواء وارتفاعه على أنه خبر لأن أَ أَنْذَرْتَهُمْ أي خوفتهم وحذرتهم ، والإنذار الإبلاغ والإعلام مع التخويف فكل منذر معلم ، وليس كل معلم منذرا ، قرىء بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفا ، قال البيضاوي وهذا الإبدال لحن ، ورد عليه علي القاري بأن ما قاله تقليدا للكشاف خطأ لأن القراءة به متواترة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فإنكارها كفر ، وتمام هذا البحث في الجمل أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ أي لا يصدقون . قال القرطبي واختلف العلماء في تأويل هذه الآية فقيل هي عامة ومعناها الخصوص فيمن حقت عليه كلمة العذاب وسبق في علم اللّه أنه يموت على كفره أراد اللّه تعالى أن يعلم الناس أن فيهم من هذا حاله دون أن يعين أحدا ، وقال ابن عباس والكلبي نزلت في رؤساء اليهود حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف ونظرائهما وقال الربيع بن أنس نزلت فيمن قتل يوم بدر من قادة الأحزاب ، والأول أصح فإن من عين أحدا فإنما مثل عن كشف الغيب بموته على الكفر انتهى . خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ أي طبع اللّه عليها واستوثق فلا تعي خيرا ولا تفهمه والختم والكتم أخوان ، وأصل الختم مصدر معناه التغطية على الشيء ، والاستيثاق منه حتى لا يدخله شيء ولا يخرج منه ما حصل فيه ، ومنه ختم الكتاب والباب ، وما يشبه ذلك حتى لا يوصل إلى ما فيه ولا يوضع فيه غيره ، فشبه هذا المعنى بضرب الخاتم على الشيء تشبيه معقول بمحسوس ، والجامع انتفاء القبول لمانع منع منه ، وكذا يقال في الختم على الأسماع ، وإسناد الختم إلى اللّه قد احتج به أهل السنة على المعتزلة ، وحاولوا دفع هذه الحجة بمثل ما ذكر صاحب الكشاف والكلام على مثل هذا متقرر في مواطنه . وَعَلى سَمْعِهِمْ أي مواضعه ، وإنما وحد السمع مع جمع القلوب كما تقدم والأبصار كما سيأتي لأنه مصدر يقع على القليل والكثير ، أو لوحدة المسموع وهو الصوت ، وإنما خص هذه الأعضاء بالذكر لأنها طرق العلم ، فالقلب محله وطريقه إما السماع وإما الرؤية وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ الغشاوة الغطاء وهذا البناء لما يشتمل