صديق الحسيني القنوجي البخاري

65

فتح البيان في مقاصد القرآن

قال في الكشاف : قوله عَلى هُدىً مثل لتمكنهم من الهدى واستقرارهم عليه وتمسكهم به ، شبهت حالهم بحال من اعتلى الشيء وركبه ، ونحوه هو على الحق وعلى الباطل ، وقد صرحوا بذلك في قوله جعل الغواية مركبا ، وامتطى الجهل ، واقتعد غارب الهوى اه . وقال أبو السعود : وإيراد كلمة الاستعلاء على استعارتها لتمسكهم بالهدى استعارة تبعية متفرعة على تشبيهه باعتلاء الراكب واستوائه على مركوبه أو على جعلها قرينة للاستعارة بالكناية بين الهدى والمركوب للإيذان بقوة تمكنهم منه ، وكمال رسوخهم فيه انتهى . وقال الخفاجي الاستعارة في الحرف تبعية متعلقة وهو المعنى الكلي الشامل له كما حققوه والتمثيل ضرب المثل والإتيان بمثال ومطلق التشبيه والمركب منه ، وهذا ظاهر لا نزاع فيه ، وإنما النزاع في الاستعارة التبعية هل تكون تمثيلية أم لا ، فذهب الفاضل المحقق إلى جوازه متمسكا بما صرح العلامة في مواضع من كشافه كما صرح به هنا وقد سبقه إليه الطيبي ، وقال إنه مسلك الشيخين الزمخشري والسكاكي ولم يرتضه المدقق في الكشف ، فأول ما في عباراتهم وتبعه فيه السيد وشنع على الفاضل حتى كأنه أبو عذرته وهي المعركة العظمى التي عقدت لها المجالس ، وصنفت فيها الرسائل ما هو أشهر من « قفا نبك » . والحاصل أن استعارة « على » استعارة تبعية تستلزم كون الاستعلاء مشبها به وتركب الطرفين يستلزم أن لا يكون مشبها به فلا يجتمعان . ومن الفضلاء من رده ، وانتصر للسعد سعد جده فقال هو ممنوع . والحاصل أنه يجري في الحرف التمثيل بمعنى انتزاع الحالة من الأمور المتعددة ولا يجري فيه التشبيه في المفصل المركب قصدا . والذي يخطر بالبال ، بعد طي شقة القيل والقال ، أن الخلاف بينهم في حرف واحد إذ لا خلاف في أن التمثيل التفصيلي المعروف يستدعي تركب الطرفين حقيقة ، وأن التمثيل الآخر الذي هو محل النزاع هل يشترط فيه التركيب بعد الاتفاق على أنه لا يلزم التصريح بأجزائه لفظا ولا تقديرا فذهب الشريف إلى أنه يشترط فيه أن تكون أجزاؤه مرادة منوية فلا يكون ما اقتصر عليه من الحرف ونحوه مما هو عمدة المعنى المجازي مستعملا في معنى مجازي ، بل حقيقة وإلا كان مجازا مفردا لا تمثيلا ، أو لا يشترط فيه ذلك بل يكفي تركب المأخذ المنتزع منه ذلك ، ويكون الحرف المذكور مع ما يدل عليه بالالتزام من طرفي التشبيه وما يتممه متجوزا فيه وإلا لم يصح دخول ( على ) على الهدى كما مشى عليه السعد ، ومن مشى على جادته . فالنزاع كاللفظي انتهى حاصله .