صديق الحسيني القنوجي البخاري
18
فتح البيان في مقاصد القرآن
أصرف جهدي والمراد ينصرف ، والمقصود يتقاعس عن الحصول وينحرف ، والأيام تحول وتحجز ، والليالي تعد ولا تنجز ، حتى سألني جماعة من أهل العلم ممن يتحرى اتباع السنة والكتاب ، ويجتنب الابتداع في كل باب ، وألحوا علي وأظهروا الفقر إلي ولم يسعني إلا إسعاف ما أملوه ، وإنجاح ما سألوه ، فأجبتهم معتمدا على فضل اللّه وتيسيره ممتثلا بوصية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيهم فيما يرويه أبو سعيد الخدري ويرفعه : « إن رجالا يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون في الدين فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرا » « 1 » ومقتديا بالسلف الماضين في تدوين علوم الدين إبقاء على الخلق وإيفاء للحق . وليس على ما جمعوه وصنفوه مزيد ، ولكن لا بد في كل زمان من تجديد ما طال به العهد وقصر للطالبين فيه الجد والجهد ، إيقاظا للنائمين ، وتحريضا للمتثبطين ، فحررت بعون اللّه تعالى وحسن توفيقه فيما سألوه واستمنحوه كتابا في أيسر زمان وأحسن تقدير ، متوسطا بين الطويل الممل والقصير المخل ، وجمعته جمعا حسنا بعبارة سهلة وألفاظ يسيرة مع تعرض للترجيح بين التفاسير المعارضة في مواضع كثيرة ، وبيان للمعنى العربي والإعرابي واللغوي مع حرص على إيراد صفوة الصفوة مما ثبت من التفسير النبوي ومن عظماء الصحابة وعلماء التابعين ، ومن دونهم من سلف الأمة وأئمتها المعتبرين كابن عباس حبر هذه الأمة ومن بعده من الأئمة مثل مجاهد وعكرمة وعطاء والحسن وقتادة وأبي العالية والقرظي والكلبي والضحاك ومقاتل والسدي وغيرهم من علماء اللغة والنحو كالفراء والزجاج وسيبويه والمبرد والخليل والنحاس . ولكن الثابت الصحيح من التفسير المرفوع إلى النبي وإن كان المصير إليه متعينا . وتقديمه متحتما ، هو تفسير آيات قليلة بالنسبة إلى جميع القرآن . والثابت من التفسير عن الصحابة ومن تبعهم بالإحسان : إن كان من اللفظ الذي قد نقله الشرع إلى معنى مغاير للمعنى اللغوي فهو مقدم على غيره ، وإن كان من الألفاظ التي لم ينقلها الشرع فهو كواحد من أهل اللغة الموثوق بعربيتهم ، فإذا خالف ذلك المشهور المستفيض لم تقم الحجة علينا بتفسيره الذي قاله على مقتضى لغة العرب العرباء فبالأولى تفاسير من بعدهم من تابعيهم وسائر الأئمة . وأيضا كثيرا ما يقتصر الصحابي ومن بعده من السلف على وجه واحد مما يقتضيه النظم القرآني باعتبار المعنى اللغوي ، ومعلوم أن ذلك لا يستلزم إهمال سائر المعاني التي تفيدها اللغة العربية ولا إهمال ما يستفاد من العلوم التي يتبين بها دقائق العربية وأسرارها كعلم المعاني والبيان ، فإن التفسير بذلك هو تفسير اللغة لا تفسير بمحض
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في العلم باب 4 .