صديق الحسيني القنوجي البخاري
153
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَذِي الْقُرْبى أي القرابة عطف على الوالدين لأن حقها تابع لحقهما ، والإحسان إليهم إنما هو بواسطة الوالدين ، والقربى مصدر كالرجعي والعقبى وهم القرابة ، والإحسان بهم صلتهم والقيام بما يحتاجون إليه بحسب الطاقة وبقدر ما تبلغ إليه القدرة . وَالْيَتامى جمع يتيم ، واليتيم في بني آدم من فقد أبوه ، وفي سائر الحيوانات من فقدت أمه وأصله الانفراد يقال صبي يتيم أي منفرد من أبيه فإذا بلغ الحلم زال عنه اليتم ، وتجب رعاية حقوق اليتيم لثلاثة أمور لصغره ويتمه ولخلوه عمن يقوم بمصلحته إذ لا يقدر هو أن ينتفع بنفسه ولا يقوم بحوائجه . وَالْمَساكِينِ جمع مسكين وهو من أسكنته الحاجة وذللته وهو أشد فقرا من الفقير عند أكثر أهل اللغة وكثير من أهل الفقه ، وروي عن الشافعي أن الفقير أسوأ حالا من المسكين ، وقد ذكر أهل العلم لهذا البحث أدلة مستوفاة في مواطنها . وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً أي قولا حسنا سماه حسنا مبالغة ، وقرىء حسنا بضمتين وهي لغة أهل الحجاز ، وحسنى بغير تنوين على أنه مصدر كبشرى ، والمراد به ما فيه تخلق وإرشاد ، حكاه الأخفش ، قال النحاس وهذا لا يجوز في العربية لا يقال من هذا شيء إلا بالألف واللام نحو الفضلى والكبرى والحسنى ، وهذا قول سيبويه ، وقرأ زيد بن ثابت وابن مسعود حسنا قال الأخفش هما بمعنى واحد مثل البخل والبخل ، والرشد والرشد ، فهو صفة مشبهة لا مصدر ، كما فهم من عبارة القاموس فسقط ما للكرخي هنا ، والظاهر أن هذا القول الذي أمرهم اللّه به لا يختص بنوع معين بل كل ما صدق عليه إنه حسن شرعا كان من جملة ما يصدق عليه هذا الأمر ، وقد قيل إن ذلك هو كلمة التوحيد ، وقيل الصدق ، وقيل الأمر بالمعروف ، وقيل هو اللين في القول والعشرة وحسن الخلق والنهي عن المنكر وقيل غير ذلك ، قيل إن الخطاب للحاضرين من اليهود في زمن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فلهذا عدل عن الغيبة إلى الخطاب قاله ابن عباس ، وقيل إن المخاطبين به هم الذين كانوا في زمن موسى عليه السّلام ، وإنما عدل من الغيبة إلى الخطاب على طريق الالتفات . وتقدم تفسير قوله : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وهو خطاب لبني إسرائيل فالمراد الصلاة التي كانوا يصلونها والزكاة التي كانوا يخرجونها قال ابن عطية وزكاتهم هي التي كانوا يضعونها فتنزل النار على ما يقبل ولا تنزل على ما لا يقبل . والخطاب في قوله : ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ قيل للحاضرين منهم في عصر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لأنهم مثل سلفهم في ذلك ، وفيها التفات من الغيبة إلى الخطاب أي أعرضتم عن العهد ، ومن فوائد الالتفات تطرية الكلام وصيانة السمع عن الضجر والملال لما