صديق الحسيني القنوجي البخاري
154
فتح البيان في مقاصد القرآن
جبلت عليه النفوس من حب التنقلات والسآمة من الاستمرار على منوال واحد كما هو مقرر في محله ، والإعراض والتولي بمعنى واحد وقيل التولي بالجسم والإعراض بالقلب إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ منصوب على الاستثناء وهو من أقام اليهودية على وجهها قبل النسخ ومن أسلم منهم كعبد اللّه بن سلام وأصحابه وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ كإعراض آبائكم ، أمرهم اللّه تعالى بهذه التكاليف الثمانية لتكون لها المنزلة عنده بما التزموا به ثم أخبر عنهم أنهم ما وفوا بذلك . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 84 ] وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ( 84 ) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ قيل هو خطاب لمن كان في زمن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من اليهود ، والمراد أسلافهم المعاصرون لموسى على سنن التذكيرات السابقة ، وهذا شروع في بيان ما فعلوه بالعهد المتعلق بحقوق العباد بعد بيان ما فعلوا بالعهد المتعلق بحقوق اللّه وما يجري مجراها ، وقيل لآبائهم وفيه تقريع لهم وتوبيخ لا تَسْفِكُونَ أي لا تريقون والسفك الصب وقد تقدم دِماءَكُمْ أي لا يفعل ذلك بعضكم ببعض أو لا تسفكوا دماء غيركم فيسفك دماءكم فكأنكم سفكتم دماء أنفسكم فهو من باب المجاز بأدنى ملابسة ، أو لأنه يوجبه قصاصا فهو من باب إطلاق المسبب على السبب وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أي لا يخرج بعضكم بعضا من داره ، وقيل لا تفعلوا شيئا فتخرجوا بسببه من دياركم ، والدار المنزل الذي فيه أبنية المقام بخلاف منزل الارتحال ، وقال الخليل كل موضع حله قوم فهو دار لهم وإن لم يكن فيه أبنية ، وقيل سميت دار لدورها على سكانها كما يسمى الحائط حائطا لاحاطته على ما يحويه ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ من الإقرار أي حصل منكم الاعتراف بهذا الميثاق المأخوذ عليكم أنه حق وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ يا معشر اليهود ، الشهادة هنا بالقلوب ، وقيل هي بمعنى الحضور أي أنكم الآن تشهدون على أسلافكم بذلك ، وعلى هذا إسنادا لإقرار إليهم مجاز وكان اللّه سبحانه قد أخذ في التوراة على بني إسرائيل أن لا يقتل بعضهم بعضا ولا ينفيه ولا يسترقه . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 85 ] ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 85 ) ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ