صديق الحسيني القنوجي البخاري

150

فتح البيان في مقاصد القرآن

وي أي حزن كما تقول وي لفلان أي حزن له فوصلته العرب باللام ، وقال الخليل ولم يسمع على بنائه إلا ويح وويس وويه وويك وويب ، وكله متقارب في المعنى ، وقد فرق بينها قوم وهي مصادر لم تنطق العرب بأفعالها وجاز الابتداء به وإن كان نكرة لأن فيه معنى الدعاء ، وقال ابن عباس الويل شدة العذاب ، وعن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « الويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره » « 1 » أخرجه الترمذي ، وقال حديث غريب ، والخريف السنة ، والكتابة معروفة والمعنى أنهم يكتبون الكتاب المحرف ولا يبينون ولا ينكرونه على فاعله أو ما يكتبونه من التأويلات الزائفة ، وقوله : بِأَيْدِيهِمْ تأكيد لأن الكتابة لا تكون إلا باليد ، فهو مثل قوله : وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ [ الأنعام : 38 ] وقوله : يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ [ آل عمران : 167 ] قال ابن السراج هو كناية عن أنه من تلقائهم دون أن ينزل عليهم ، وفيه أنه قد دل على أنه من تلقائهم قوله : يَكْتُبُونَ الْكِتابَ فإسناد الكتابة إليهم يفيد ذلك . ثُمَّ يَقُولُونَ هذا أي جميعا على الأول وبخصوصه على الثاني وثم للتراخي الرتبي فإن نسبة المحرف والتأويل الزائغ إلى اللّه سبحانه صريحا أشد شناعة من نفس التحريف والتأويل مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ أي بما كتبوا ثَمَناً قَلِيلًا أي المآكل والرشاء ، والاشتراء الاستبدال ووصفه بالقلة لكونه فانيا لا ثواب فيه أو لكونه حراما لا تحل به البركة فهؤلاء الكتبة لم يكتفوا بالتحريف ، ولا بالكتابة لذلك المحرف حتى نادوا في المحافل بأنه من عند اللّه لينالوا بهذه المعاصي المتكررة هذا العرض المزر ، والعوض الحقير ، واستدل به النخعي على كراهة كتابة المصحف بالأجرة . فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ تأكيد لقوله : فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ومع ذلك فيه نوع مغايرة لأن هذا وقع تعليلا فهو مقصود وذلك وقع صلة فهو غير مقصود ، والكلام في هذا كالذي فيما قبله من جهة أن التكرير للتأكيد وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ قيل من الرشاء ونحوها وقيل من المعاصي ، وكرر الويل تغليظا عليهم وتعظيما لفعلهم وهتكا لأستارهم . وقال السعد التفتازاني إنما كرر ليفيد أن الهلاك مرتب على كل واحد من الفعلين على حدة لا على مجموع الأمرين ، والكسب مسبب فجاء النظم على هذا الترتيب . وقد ذكر صاحب الدر المنثور آثارا عن جماعة من السلف أنهم كرهوا بيع المصاحف مستدلين بهذه الآية ، ولا دلالة فيها على ذلك ، ثم ذكر آثارا عن جماعة منهم أنهم جوزوا ذلك ولم يكرهوه . وَقالُوا أي اليهود لَنْ تَمَسَّنَا أي تصيبنا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً استثناء

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في تفسير سورة 21 ، باب 1 ، وأحمد في المسند 3 / 75 .