صديق الحسيني القنوجي البخاري

151

فتح البيان في مقاصد القرآن

مفرغ أي قدرا مقدرا يحصرها العد ، ويلزمها في العادة القلة ثم يرفع عنا العذاب ، وقد اختلف في سبب نزول هذه الآية ، قال ابن عباس إن اليهود كانوا يقولون مدة الدنيا سبعة آلاف سنة ، وإنما نعذب بكل ألف سنة من أيام الدنيا يوما واحدا في النار ، وإنما هي سبعة أيام معدودة ثم ينقطع العذاب ، فأنزل اللّه في ذلك هذه الآية . وعن عكرمة قال اجتمعت يهود يوما فخاصموا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا لن تمسنا النار إلا أربعين يوما ثم يخلفنا فيها ناس ، وأشاروا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ورد يديه على رأسه كذبتم بل أنتم خالدون مخلدون فيها لا نخلفكم فيها إن شاء اللّه أبدا » ففيهم نزلت هذه الآية ، وأخرج أحمد والبخاري والدارمي والنسائي من حديث أبي هريرة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم سأل اليهود في خيبر من أهل النار ؟ قالوا نكون فيها يسيرا ثم تخلفونا فيها فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « اخسؤوا واللّه لا نخلفكم فيها أبدا » « 1 » . والمراد بقوله : قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً الإنكار عليهم لما صدر منهم من هذه الدعوى الباطلة أنها لن تمسهم النار إلا أياما معدودة أي لم يتقدم لكم مع اللّه عهد بهذا ولا أسلفتم من الأعمال الصالحة ما يصدق هذه الدعوى حتى يتعين الوفاء بذلك وعدم إخلاف العهد أي إن أتخذتم عهدا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ هذا جواب الاستفهام المتقدم في قوله : أَتَّخَذْتُمْ وقال ابن عطية هذا اعتراض بين أثناء الكلام قال الرازي العهد في هذا الموضع يجري مجرى الوعد ، وإنما سمي خبره سبحانه عهدا لأن خبره أوكد من العهود المؤكدة أَمْ تَقُولُونَ أم متصلة وحينئذ الاستفهام للتقرير المؤدي إلى التبكيت أو منقطعة والاستفهام لإنكار الاتخاذ ونفيه عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 81 ] بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 81 ) بَلى إثبات لما بعد حرف النفي مختص به خبرا واستفهاما أي بلى تمسكم النار أبدا على الوجه الذي ذكرتم من كونه أياما معدودة مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً المراد بها الجنس هنا ومثله قوله تعالى : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [ الشورى : 40 ] و مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ثم أوضح سبحانه أن مجرد كسب السيئة لا يوجب الخلود في النار بل لا بد أن يكون سببه محيطا به فقال : وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ أي أحدقت به من جميع جوانبه فلا تبقى له حسنة وسدت عليه مسالك النجاة ، قيل هي الشرك قاله ابن عباس ومجاهد ، وقيل هي الكبيرة ، وتفسيرها بالشرك أولى لما ثبت في السنة تواترا من خروج عصاة الموحدين من النار ، ويؤيد ذلك كونها نازلة في اليهود ، وإن كان الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وعليه إجماع المفسرين ، وبهذا يبطل تشبث

--> ( 1 ) أخرجه بهذا اللفظ أحمد في المسند 2 / 451 .