صديق الحسيني القنوجي البخاري
135
فتح البيان في مقاصد القرآن
باللّه واليوم الآخر وعمل صالحا استحق ما ذكره اللّه من الأجر ، ومن فاته ذلك فاته الخير كله ، والأجر دقه وجله . بالإيمان ههنا هو ما بينه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من قوله لما سأله جبريل عليه السّلام عن الإيمان فقال : « أن تؤمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره » « 1 » ولا يتصف بهذا الإيمان إلا من دخل في الملة الإسلامية ، فمن لم يؤمن بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ولا بالقرآن فليس بمؤمن ، ومن آمن بهما صار مسلما مؤمنا ولم يبق يهوديا ولا نصرانيا ولا مجوسيا . وَالَّذِينَ هادُوا معناه صاروا يهودا قيل هو نسبة لهم إلى يهوذا بن يعقوب بالذال المعجمة فقلبتها العرب دالا مهملة ، وقيل معنى هادوا تابوا لتوبتهم عن عبادة العجل ، ومنه قوله تعالى : إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ [ الأعراف : 156 ] أي تبنا ، وقيل أن معناه السكون والموادعة وقال في الكشاف معناه دخل في اليهودية . وَالنَّصارى قال سيبويه مفرده نصران ونصرانة كندمان وندمانة ، ولكن لا يستعمل إلا بياء النسب ، فيقال رجل نصراني وامرأة نصرانية ، وقال الخليل واحد النصارى نصري ، وقال الجوهري ونصران قرية بالشام تنسب إليها النصارى ، ويقال ناصرة فعلى هذا فالياء للنسب ، وقال في الكشاف أن الياء للمبالغة كالتي في أحمري سموا بذلك لأنهم نصروا المسيح . وَالصَّابِئِينَ جمع صابىء وقيل صاب ، والصابىء في اللغة من خرج ومال من دين إلى دين ، ولهذا كانت العرب تقول لمن أسلم قد صبأ ، سموا هذه الفرقة صابئة لأنها خرجت من دين اليهود والنصارى وعبدوا الملائكة وقيل عبدوا الكواكب ، وقال البيضاوي إنهم قوم بين اليهود والمجوس انتهى ، ثم جعل هذا اللقب علما لطائفة من الكفار ، وقيل هم يدعون أنهم على دين صابىء بن شيث بن آدم والأول أولى . قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه في الرد على المنطقيين إن حران كانت دار هؤلاء الصابئة وفيها ولد إبراهيم عليه السّلام أو انتقل إليها من العراق على اختلاف القولين ، وكان بها هيكل العلة هيكل العقل الأول هيكل النفس الكلية هيكل زحل هيكل المشتري هيكل المريخ هيكل الشمس ، وكذلك الزهرة وعطارد والقمر ، وكان هذا دينهم قبل ظهور النصرانية فيهم ، ثم ظهرت النصرانية فيهم مع بقاء أولئك الصابئة المشركين حتى جاء الإسلام ولم يزل بها الصابئة والفلاسفة في دولة الإسلام إلى آخر وقت ، ومنهم الصابئة الذين كانوا ببغداد وغيرها أطباء وكتابا وبعضهم لم يسلم .
--> ( 1 ) روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة ، أخرجه مسلم في الإيمان حديث 1 ، 7 ، وأبو داود في السنة باب 16 ، والترمذي في القدر باب 10 ، والإيمان باب 4 ، والنسائي في الإيمان باب 5 ، 6 ، وابن ماجة في المقدمة باب 9 ، 10 ، وأحمد في المسند 1 / 27 ، 28 ، 52 ، 97 ، 133 ، 319 ، 2 / 107 ، 181 ، 212 ، 4 / 129 ، 164 ، 5 / 185 ، 317 .