صديق الحسيني القنوجي البخاري
136
فتح البيان في مقاصد القرآن
ولما قدم الفارابي حران في أثناء المائة الرابعة دخل عليهم وتعلم منهم وأخذ عنهم ما أخذ من المتفلسفة ، وكان ثابت بن قرة الحراني صاحب الزيج قد شرح كلام أرسطو في الإلهيات ، وقد رأيته وبينت بعض ما فيه من الفساد ، فإن فيه ضلالا كثيرا ، وكذلك كان دين أهل دمشق وغيرها قبل ظهور دين النصرانية وكانوا يصلون إلى القطب الشمالي ، ولهذا يوجد في دمشق مساجد قديمة فيها قبلة إلى القطب الشمالي ، وتحت جامع دمشق معبد كبير له قبلة إلى القطب الشمالي كان لهؤلاء ، فإن الصابئة نوعان صابئة حنفاء موحدون ، وصابئة مشركون ، فالأول هم الذين أثنى اللّه عليهم بهذه الآية فأثنى على من آمن باللّه واليوم الآخر وعمل صالحا من هذه الملل الأربع : المؤمنين واليهود والنصارى والصابئين ، فهؤلاء كانوا يدينون بالتوراة قبل النسخ والتبديل ، وكذلك الذين دانوا بالإنجيل قبل النسخ والتبديل ، والصابئون الذين كانوا قبل هؤلاء كالمتبعين لملة إبراهيم إمام الحنفاء قبل نزول التوراة والإنجيل ، وهذا بخلاف المجوس والمشركين فإنه ليس فيهم مؤمن ، فلهذا قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [ الحج : 71 ] فذكر الملل الست هؤلاء ، وأخبر أنه يفصل بينهم يوم القيامة لم يذكر في الست من كان مؤمنا ، وإنما ذكر ذلك في الأربعة فقط ، ثم إن الصابئين ابتدعوا الشرك فصاروا مشركين ، والفلاسفة المشركون من هؤلاء المشركين . وأما قدماء الفلاسفة الذين كانوا يعبدون اللّه وحده لا يشركون به شيئا ويؤمنون بأن اللّه محدث لهذا العالم ويقرون بمعاد الأبدان ، فأولئك من الصابئة الحنفاء الذين أثنى اللّه عليهم ، ثم المشركون من الصابئة كانوا يقرون بحدوث هذا العالم كما كان المشركون من العرب يقرون بحدوثه ، وكذلك المشركون من الهند ، وقد ذكر أهل المقالات أن أول من ظهر عنه القول بقدمه من هؤلاء الفلاسفة المشركين هو أرسطو ، انتهى المقصود منه . مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ في زمن نبينا وَعَمِلَ صالِحاً بشريعته فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ أي ثواب أعمالهم ، والأجر في الأصل مصدر يقال أجره اللّه يأجره أجرا ، وقد يعبر به عن نفس الشيء المجازى به ، والآية الكريمة تحتمل المعنيين . عِنْدَ رَبِّهِمْ « عند » ظرف مكان لازم للإضافة لفظا ومعنى أي لهم أجرهم ثابتا عند ربهم . وقد تقدم تفسير قوله تعالى : وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ أي في الآخرة حين يخاف الكفار من العذاب ويحزن المقصرون على تضييع العمر ، وتفويت الثواب .