صديق الحسيني القنوجي البخاري
134
فتح البيان في مقاصد القرآن
خفقت على رؤوسهم راية ، ولا ثبتت لهم ولاية بل ما زالوا عبيد العصى في كل زمن ، وطروقة كل فحل في كل عصر ، ومن تمسك منهم بنصيب من المال وإن بلغ في الكثرة أي مبلغ فهو متظاهر بالفقر مرتد بأثواب المسكنة ليدفع عن نفسه أطماع الطامعين في ماله ، إما بحق كتوفير ما عليه من الجزية أو بباطل كما يفعله كثير من الظلمة من التجارىء على اللّه بظلم من لا يستطيع الدفع عن نفسه ، فلا ترى أحدا من أهل الملل أذل ولا أحرص على المال من اليهود كأنهم فقراء وإن كانوا أغنياء مياسير . وَباؤُ رجعوا يقال باء بكذا أي رجع والمراد أنهم رجعوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ أو صاروا أحقاء بغضبه ، وقال أبو عبيدة والزجاج احتملوه وقيل أقروا به وقيل استحقوه وقيل لازموه ، وهو الأوجه يقال بوأته منزلا فتبوأ أي ألزمته فلزمه ذلِكَ أي ما تقدم من ضرب الذلة وما بعده . بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ أي بسبب كفرهم باللّه وقتلهم الأنبياء بغير حق يحق عليهم اتباعه والعمل به ولم يخرج هذا مخرج التقييد حتى يقال إنه لا يكون قتل الأنبياء بحق في حال من الأحوال لمكان العصمة ، بل المراد نعي هذا الأمر عليهم وتعظيمه وأنه ظلم بحت في نفس الأمر ، ويمكن أن يقال إنه ليس بحق في اعتقادهم الباطل لأن الأنبياء لم يعارضوهم في مال ولا جاه بل أرشدوهم إلى مصالح الدين والدنيا كما كان من شعيا وزكريا ويحيى فإنهم قتلوهم وهم يعلمون ويعتقدون أنهم ظالمون وإنما حملهم على ذلك حب الدنيا واتباع الهوى ، عن ابن مسعود قال : كانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلاثمائة نبي ثم يقيمون سوق بقلهم في آخر النهار . ذلِكَ تكرير الإشارة لقصد التأكيد وتعظيم الأمر عليهم وتهويله ، ومجموع ما بعد الإشارة الأولى والإشارة الثانية هو السبب لضرب الذلة وما بعده ، وقيل يجوز أن يكون الإشارة الثانية إلى الكفر والقتل فيكون ما بعدها سببا للسبب قاله الزمخشري وهو بعيد جدا بِما عَصَوْا أمري وَكانُوا يَعْتَدُونَ الاعتداء تجاوز الحد في كل شيء أي يتجاوزون أمري ويرتكبون محارمي . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 62 ] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 62 ) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا قيل إن المراد بهم المنافقون بدلالة جعلهم مقترنين باليهود والنصارى والصابئين أي آمنوا في الظاهر ، والأولى أن يقال إن المراد الذين صدقوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وصاروا من جملة أتباعه ، وكأنه سبحانه أراد أن يبين أن حال هذه الملة الإسلامية وحال من قبلها من سائر الملل يرجع إلى شيء واحد وهو أن من آمن منهم