صديق الحسيني القنوجي البخاري

122

فتح البيان في مقاصد القرآن

المذبوح ، قيل ذبحوا منهم اثني عشر ألفا ، وقيل سبعين ألفا ، وهل نساء جمع نسوة أو جمع امرأة من حيث المعنى قولان ، والمراد يتركون نساءكم أحياء ليستخدموهن ويمتهنوهن ، وأنما أمر بذبح الأبناء واستحياء النساء لأن الكهنة أخبروه بأنه يولد مولود يكون هلاكه على يده ، وعبر عن البنات باسم النساء لأنه جنس يصدق عليهن ، وقالت طائفة إنه أمر بذبح الرجال واستدلوا بقوله : نِساءَكُمْ والأول أصح بشهادة السبب ، ولا يخفى ما في قتل الأبناء واستحياء البنات للخدمة ونحوها من إنزال الذل بهم وإلصاق الإهانة الشديدة بجميعهم لما في ذلك من العار . والإشارة بقوله : وَفِي ذلِكُمْ إلى جملة الأمر من الإنجاء والذبح ، قاله ابن عطية . بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ أي اختيار وامتحان ، والبلاء يطلق تارة على الخير وتارة على الشر ، فإن أريد به هنا الشر ، كانت الإشارة إلى ما حل بهم من النقمة بالذبح ونحوه ، وإن أريد به الخير كانت الإشارة إلى النعمة التي أنعم اللّه عليهم بالإنجاء وما هو مذكور قبله من تفضيلهم على العالمين ، وقد اختلف السلف ومن بعدهم في مرجع الإشارة فرجح الجمهور الأول ورجح الآخرون الآخر ، قال ابن كيسان أبلاه وبلاه في الخير والشر ، وقيل الأكثر في الخير أبليته وفي الشر بلوته ، وفي الاختبار ابتليته وبلوته قاله النحاس ، استدل به بعض من يقول بالتناسخ وقال إن القوم كانوا هم بأعيانهم ، فلما تطاولت عليهم مدة التلاشي والبلى نسوا فذكروا ، قال الكرماني وهذا محال وجهل بكلام العرب ، فإن العرب تخاطب بمثل هذا وتعني الجد الأعلى والأب الأبعد . وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ أي فلقنا ، وأصل الفلق الفرق والفصل ، ومنه فرق الشعر ، ومنه وَقُرْآناً فَرَقْناهُ [ الإسراء : 106 ] أي فصلناه ، والباء في بِكُمُ بمعنى اللام أو السببية والمراد أن فرق البحر كان بسبب دخولهم فيه لما صاروا بين المائين صار الفرق بهم ، وأصل البحر في اللغة الاتساع أطلق على البحر الذي هو مقابل البر لما فيه من الاتساع بالنسبة إلى النهر والخليج ويطلق على الماء المالح ، وقال السيوطي في مفحمات الأقران البحر هو القلزم وكنيته أبو خالد كما روي عن قيس بن عباد ، قال ابن عساكر كأنه كني بذلك لطول بقائه ، وروى أبو يعلى بسند ضعيف عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « فلق البحر لبني إسرائيل يوم عاشوراء » انتهى . فَأَنْجَيْناكُمْ أي أخرجناكم منه . وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ فيه ، ووافق ذلك يوم عاشوراء فصام موسى ذلك اليوم شكرا للّه عز وجل ، والمراد بآل فرعون هنا هو وقومه وأتباعه ، والغرق الرسوب في الماء وتجوز به عن المداخلة في الشيء ، تقول غرق فلان في اللهو فهو غرق ، قاله السمين . وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ يعني إلى إهلاكهم ، وقيل إلى مصارعهم أي حال كونكم