صديق الحسيني القنوجي البخاري

123

فتح البيان في مقاصد القرآن

ناظرين إليهم بأبصاركم أو المعنى ينظر بعضكم إلى بعض آخر من السالكين في البحر ، وقيل نظروا إلى أنفسهم ينجون وإلى آل فرعون يغرقون ، قيل إن البحر قذفهم حتى نظروا إليهم . وهذه الواقعة كما أنها لموسى معجزة عظيمة تخر لها أطم الجبال ، ونعمة عظيمة لأوائل بني إسرائيل موجبة عليهم شكرها باللسان والبال ، كذلك اقتصاصها على ما هي عليه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم معجزة جليلة تطمئن بها القلوب الأبية ، وتنقاد لها النفوس الغبية ، موجبة لأعقابهم أن يتلقوها بالإذعان ويقبلوها بصميم الجنان ، فلا تأثرت أوائلهم بمشاهدتها ورؤيتها ، ولا تذكرت أواخرهم بتذكيرها وروايتها ، فيا لها من عصابة ما أعصاها ، وطائفة ما أطغاها وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس قال : قدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المدينة فرأى اليهود يصومون يوم عاشوراء فقال ما هذا اليوم ؟ قالوا هذا يوم صالح نجى اللّه فيه بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « نحن أحق بموسى منكم فصامه وأمر بصومه » « 1 » . وَإِذْ واعَدْنا قراءة الجمهور واعدنا قال النحاس وهي أجود وأحسن وليس هو من الوعد والوعيد في شيء ، وإنما هو من باب الموافاة يعني من المواعدة وهو من اللّه الأمر ، ومن موسى القبول ، وذلك أن اللّه وعده بمجيء الميقات . و مُوسى اسم أعجمي عبري معرب غير منصرف ، فموشى بالعبرية الماء والشجر ، سمي موسى لأنه أخذ من بين الماء والشجر ثم قلبت الشين سينا فسمي موسى . أَرْبَعِينَ لَيْلَةً قال الزجاج تمام أربعين ليلة وهي عند أكثر المفسرين ثلاثون من ذي القعدة وعشر من ذي الحجة وبه قال أبو العالية ، وإنما خص الليالي بالذكر دون الأيام لأنها غرر الشهور ، ولأن الليلة أسبق من اليوم فهي قبله في الرتبة وقيل لأن الأشهر العربية وضعت على سير القمر وقيل لأن الظلمة أقدم من الضوء والمعاني متقاربة . ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ أي جعلتم العجل إلها ، قال الحسن البصري كان اسم عجل بني إسرائيل الذي عبدوه « بهموت » وقيل بهبوت مِنْ بَعْدِهِ أي بعد مضي موسى إلى الطور ، وقد ذكر بعض المفسرين أنهم عدوا عشرين يوما وعشرين ليلة وقالوا قد اختلف موعده فاتخذوا العجل وهذا غير بعيد منهم فقد كانوا يسلكون طرائق من التعنت خارجة عن قوانين العقل مخالفة لما يخاطبون به بل ويشاهدونه بأبصارهم ، فلا يقال كيف يعدون الأيام والليالي على تلك الصفة ، وقد صرح لهم في الوعد بأنها أربعون ليلة والمعنى من بعد عبادتكم العجل ، وسمي العجل عجلا لاستعجالهم

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الصيام حديث 126 ، والبخاري في الصوم باب 69 .