صديق الحسيني القنوجي البخاري
120
فتح البيان في مقاصد القرآن
ثانيا فلو سلمنا صحة هذا الاشتقاق كان المعنى موجودا بما يتحصل معه مفهوم الدليل على اللّه الذي يصح إطلاق اسم العلم عليه ، وهو كائن في كل فرد من أفراد المخلوقات التي يستدل بها على الخالق ، وغايته أن جمع العالم يستلزم أن يكونوا مفضلين على أفراد كثيرة من المحدثات ، وأما إنهم مفضلون على كل المحدثات في كل زمان ، فليس في اللفظ ما يفيد هذا ولا في اشتقاقه ما يدل عليه ، وأما من جعل العالم أهل العصر فغايته أن يكونوا مفضلين على أهل عصور ، لا على أهل كل عصر ، فلا يستلزم ذلك تفضيلهم على أهل العصر الذين فيهم نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم ولا على ما بعده من العصور . ومثل هذا الكلام ينبغي استحضاره عند تفسير قوله تعالى : وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ [ المائدة : 20 ] . فإن قيل : إن التعريف في العالمين يدل على شموله لكل عالم . قلت لو كان الأمر هكذا لم يكن ذلك مستلزما لكونهم أفضل من أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم لقوله تعالى : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [ آل عمران : 110 ] فإن هذه الآية ونحوها تكون مخصصة لتلك الآيات . وَاتَّقُوا يَوْماً أي وأخشوا عذاب يوم ، أمر معناه الوعيد والمراد باليوم يوم القيامة أي عذابه . لا تَجْزِي لا تكفي ولا تقضي . نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً يعني حقا لزمها ، وقيل معناه لا تنوب نفس عن نفس يوم القيامة ولا ترد عنها شيئا مما أصابها ، بل يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه ، وقيل إن طاعة المطيع لا تقضي عن العاصي ما كان واجبا عليه ، والنفس الأولى هي المؤمنة والثانية هي الكافرة ومعنى التنكير التحقير أي شيئا يسيرا حقيرا وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ أي في ذلك اليوم ، وذلك أن اليهود قالوا يشفع لنا آباؤنا فرد اللّه عليهم ذلك ، والشفاعة مأخوذة من الشفع وهو الاثنان تقول استشفعته أي سألته أن يشفع لي أي يضم جاهه إلى جاهك عند المشفوع إليه ليصل النفع إلى المشفوع له ، وضمير ( منها ) يرجع إلى النفس المذكورة ثانيا أي إن جاءت بشفاعة شفيع ، ويجوز أن يرجع إلى النفس المذكورة أولا أي إذا شفعت لم يقبل منها . وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ أي فدية وهو مماثلة الشيء بالشيء ، والعدل بفتح العين الفداء وبكسرها المثل ، وقيل بالفتح المساوي للشيء قيمة وقدرا وبالكسر المساوي له في جنسه وجرمه ، وأما العدل واحد الأعدال فهو بالكسر لا غير قاله السمين ، والضمير يرجع إلى النفوس المدلول عليها بالنكرة في سياق النفي ، والنفس تذكر وتؤنث والمعنى كما قال السدي لا تغني نفس مؤمنة عن نفس كافرة من المنفعة شيئا .