صديق الحسيني القنوجي البخاري
115
فتح البيان في مقاصد القرآن
الصحابة من أن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بخمس وعشرين درجة أو سبع وعشرين درجة ، وثبت في الصحيح عنه صلّى اللّه عليه وسلّم الذي يصلي مع الإمام أفضل من الذي يصلي وحده ثم ينام ، والبحث طويل الذيول كثير النقول ، استوفاه الشوكاني رحمه اللّه تعالى في شرحه للمنتقى . أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ الهمزة للاستفهام مع التوبيخ للمخاطبين ، وليس المراد توبيخهم على نفس الأمر بالبر فإنه فعل حسن مندوب إليه ، بل سبب ترك فعل البر المستفاد من قوله : وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ تتركونها فلا تأمرونها به مع تزكية النفس والقيام في مقام دعاة الخلق إلى الحق إيهاما للناس وتلبيسا عليهم ، نزلت في علماء اليهود ، والبر : الطاعة والعمل الصالح وسعة الخير والمعروف والصدق . فالبر : اسم جامع لجميع أعمال الخير والطاعات ، والنسيان هو هنا بمعنى الترك ، وفي الأصل خلاف الذكر والحفظ أي زوال الصورة التي كانت محفوظة عن المدركة والحافظة ، وإنما عبر عن الترك بالنسيان لأن نسيان الشيء يلزمه تركه فهو من استعمال الملزوم في اللازم أو السبب في المسبب ، وسر هذا التجوز الإشارة إلى أن ترك ما ذكر لا ينبغي أن يصدر عن العاقل إلا نسيانا ، والنفس : الروح ، ومنه قوله تعالى : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها [ الزمر : 42 ] يريد الأرواح والنفس الجسد ، والمعنى وتعدلون عما لها فيه نفع . وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ جملة حالية مشتملة على أعظم تقريع وأشد توبيخ وأبلغ تبكيت ، أي كيف تتركون البر الذي تأمرون الناس به وأنتم من أهل العلم العارفين بقبح هذا الفعل ، وشدة الوعيد عليه كما ترونه في الكتاب الذي تتلونه وتدرسونه ، والآيات التي تقرؤونها من التوراة ، والتلاوة : القراءة وهي المراد هنا وأصلها الاتباع . أَ فَلا تَعْقِلُونَ استفهام للإنكار عليهم والتقريع لهم ، وهو أشد من الأول وأشد ، ولشد ما قرع اللّه في هذا الموضع من يأمر بالخير ولا يفعله من العلماء الذين هم غير عاملين بالعلم ، فاستنكر عليهم أولا أمرهم للناس بالبر مع نسيان أنفسهم من ذلك الأمر الذي قاموا به في المجامع ، ونادوا به في المجالس إيهاما للناس بأنهم مبلغون عن اللّه ما تحملوه من حججه ، ومبينون لعباده ما أمرهم ببيانه وموصلون إلى خلقه ما استودعهم وائتمنهم عليه ، وهم اترك الناس لذلك وأبعدهم من نفعه وأزهدهم فيه . ثم ربط هذه الجملة بجملة أخرى جعلها مبينة لحالهم وكاشفة لعوارهم وهاتكة لأستارهم ، وهي أنهم فعلوا هذه الفعلة الشنيعة ، والخصلة الفظيعة ، على علم منهم ومعرفة بالكتاب الذي أنزل عليهم وملازمة لتلاوته وهم في ذلك كما قال المعري : وإنما حمل التوراة قارئها * كسب الفوائد لا حب التلاوات