صديق الحسيني القنوجي البخاري
116
فتح البيان في مقاصد القرآن
ثم انتقل معهم من تقريع إلى تقريع ، ومن توبيخ إلى توبيخ ، فقال إنكم لو لم تكونوا من أهل العلم وحملة الحجة وأهل الدّراسة لكتب اللّه لكان مجرد كونكم ممن يعقل حائلا بينكم وبين ذلك ذائدا لكم عنه ، زاجرا لكم منه ، فكيف أهملتم ما يقتضيه العقل بعد إهمالكم لما يوجبه العلم ؟ والعقل في أصل اللغة المنع ومنع عقال البعير لأنه يمنعه عن الحركة ومنه العقل في الدية لأنه يمنع الولي عن قتل الجاني ، والعقل نقيض الجهل . ويصح تفسير ما في الآية هنا بما هو أصل معنى العقل عند أهل اللغة أي أفلا تمنعون أنفسكم من مواقعة هذه الحال المزرية ، ويصح أن يكون معنى الآية أفلا تنظرون بعقولكم التي رزقكم اللّه إياها حيث لم تنتفعوا بما لديكم من العلم ، والعقل قوة تهيئ قبول العلم ، ويقال للعمل الذي يستفيده الإنسان بتلك القوة العقل . وأخرج أحمد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية وابن حبان وابن مردويه والبيهقي عن أنس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « رأيت ليلة أسري بي رجالا تقرض شفاههم بمقاريض من نار كلما قرضت رجعت فقلت لجبريل من هؤلاء قال هؤلاء خطباء من أمتك كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون » « 1 » . وثبت في الصحيحين من حديث أسامة بن زيد قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق به أقتابه فيدور بها كما يدور الحمار برحاه فيطيف به أهل النار فيقولون يا فلان ما لك ؟ ما أصابك ؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر ؟ فيقول كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه » « 2 » . وفي الباب أحاديث معناها أن يطلع قوم من أهل الجنة على قوم من أهل النار فيقولون لهم بم دخلتم النار ، وإنما دخلنا الجنة بتعليمكم ، قالوا إنا كنا نأمركم ولا نفعل ، وأخرج الطبراني والخطيب في الاقتضاء والأصبهاني في الترغيب بسند جيد عن جندب بن عبد اللّه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « مثل العالم الذي يعلم الناس الخير ولا يعمل به كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه » . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 45 إلى 48 ] وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخاشِعِينَ ( 45 ) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ ( 46 ) يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ ( 47 ) وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 48 )
--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 3 / 120 ، 231 ، 239 . ( 2 ) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب 10 ، ومسلم في الزهد حديث 51 ، وأحمد في المسند 5 / 205 ، 206 ، 207 ، 209 .