صديق الحسيني القنوجي البخاري
114
فتح البيان في مقاصد القرآن
فدع عنك نهبا صيح في حجراته * وهات حديثا ما حديث الرواحل « 1 » [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 43 إلى 44 ] وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ( 43 ) أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 44 ) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ المراد هنا الصلاة المعهودة وهي صلاة المسلمين ، يعني الصلوات الخمس بمواقيتها وحدودها وجميع أركانها ، على أن التعريف للعهد ، ويجوز أن يكون للجنس ومثلها الزكاة ، والإيتاء الإعطاء ، والزكاة مأخوذة من الزكاء وهو النماء ، وسمي إخراج جزء من المال زكاة أي زيادة مع أنه نقص منه لأنها تكثر بركته أو يكثر أجر صاحبه ، وقيل الزكاة مأخوذة من التطهير ، كما يقال زكى فلان أي طهر . والظاهر أن الصلاة والزكاة والحج والصوم ونحوها قد نقلها الشرع إلى معان شرعية ، هي المرادة بما هو مذكوره في الكتاب والسنة منها ، وقد تكلم أهل العلم على ذلك بما لا يتسع المقام لبسطه ، وقد اختلف أهل العلم في المراد بالزكاة هنا فقيل المفروضة لاقترانها بالصلاة ، وقيل صدقة الفطر ، والظاهر أن المراد ما هو أعم من ذلك . وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ أي صلوا مع المصلين يعني محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ، والركوع في اللغة الانحناء وكل منحن راكع ، ويستعار الركوع أيضا للانحطاط في المنزلة ، وإنما خص الركوع بالذكر هنا لأن اليهود لا ركوع في صلاتهم ، وقيل لكونه كان ثقيلا على أهل الجاهلية ، وقيل إنه أراد بالركوع جميع أركان الصلاة ، والركوع الشرعي هو أن ينحني الرجل ويمد ظهره وعنقه ، ويفتح أصابع يديه ويقبض بها على ركبتيه ثم يطمئن راكعا ذاكرا بالذكر المشروع . وقد ورد في ذلك من الأحاديث الصحيحة الثابتة في الصحيحين وغيرهما ما هو معروف . وفي الآية حث على إقامة الصلاة في الجماعة وقد أوجب حضور الجماعة بعض أهل العلم على خلاف بينهم في كون ذلك عينا أو كفاية ، وذهب الجمهور إلى أنه سنة مؤكدة مرغب فيها وليس بواجب وهو الحق للأحاديث الصحيحة الثابتة عن جماعة من
--> ( 1 ) البيت من الطويل ، وهو لامرىء القيس في ديوانه ص 94 ، وخزانة الأدب 10 / 159 ، 11 / 177 ، والدرر 4 / 140 ، وشرح شواهد المغني 1 / 440 ، ولسان العرب ( صيح ) ، ( حجر ) ، ( رسس ) ، ( سقط ) ، ومغني اللبيب 1 / 150 ، والمقاصد النحوية 3 / 307 ، وهمع الهوامع 2 / 29 ، وبلا نسبة في الجنى الداني ص 244 ، والمعرب 1 / 195 .