صديق الحسيني القنوجي البخاري

113

فتح البيان في مقاصد القرآن

صدره ويزول عنه الريب بالنظر في سورة من السور المتوسطة فضلا عن المطولة فإنه لا محالة يجدها مشتملة على آيات نزلت في حوادث مختلفة ، وأوقات متباينة ، لا مطابقة بين أسبابها وما نزل فيها في الترتيب ، بل يكفي المقصر أن يعلم أن أول ما نزل اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [ العلق : 1 ] وبعده يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [ المدثر : 1 ] يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ [ المزمل : 1 ] وينظر أين موضع هذه الآيات والسور في ترتيب المصحف . وإذا كان الأمر هكذا فأي معنى لطلب المناسبة بين آيات نعلم قطعا أنه قد تقدم في ترتيب المصحف ما أنزله اللّه متأخرا ، وتأخر ما أنزله اللّه متقدما ، فإن هذا عمل لا يرجع إلى ترتيب نزول القرآن ، بل إلى ما وقع من الترتيب عند جمعه ممن تصدى لذلك من الصحابة . وما أقل نفع مثل هذا وأنزر ثمرته ، وأحقر فائدته ، بل هو عند من يفهم ما يقول وما يقال له من تضييع الأوقات وانفاق الساعات في أمر لا يعود بنفع على فاعله ، ولا على من يقف عليه من الناس . وأنت تعلم أنه لو تصدى رجل من أهل العلم للمناسبة بين ما قاله رجل من البلغاء من خطبه ورسائله وإنشاآته ، أو إلى ما قاله شاعر من الشعراء من القصائد التي تكون تارة مدحا وأخرى هجاء وحينا تشبيبا وحينا رثاء وغير ذلك من الأنواع المتخالفة فعمد هذا المتصدي إلى ذلك المجموع فناسب بين فقره ومقاطعه ، ثم تكلف تكلفا آخر فناسب بين الخطبة التي خطبها في الجهاد والخطبة التي خطبها في الحج والخطبة التي خطبها في النكاح ، ونحو ذلك وناسب بين الإنشاء الكائن في العزاء والإنشاء الكائن في الهناء وما يشابه ذلك لعد هذا المتصدي لمثل هذا مصابا في عقله ، متلاعبا بأوقاته ، عابثا بعمره الذي هو رأس ماله . وإذا كان مثل هذا بهذه المنزلة وهو ركوب الأحموقة في كلام البشر ، فكيف تراه يكون في كلام اللّه سبحانه الذي أعجزت بلاغته بلغاء العرب ، وأبكمت فصاحته فصحاء عدنان وقحطان ، وقد علم كل مقصر وكامل أن اللّه سبحانه وصف هذا القرآن بأنه عربي ، وأنزله بلغة العرب ، وسلك فيه مسالكهم في الكلام ، وجرى فيه مجاريهم في الخطاب ، وقد علمنا أن خطيبهم كان يقوم المقام الواحد فيأتي بفنون مختلفة وطرائق متباينة فضلا عن المقامين فضلا عن المقامات ، فضلا عن جميع ما قاله ما دام حيا ، وكذلك شاعرهم . ولنكتف بهذا التنبيه على هذه المفسدة التي يعثر في ساحاتها كثير من المحققين ، وإنما ذكرنا هذا البحث في هذا الموطن لأن الكلام هنا قد انتقل مع بني إسرائيل بعد أن كان قبله مع أبي البشر آدم عليه السّلام ، فإذا قال متكلف كيف ناسب هذا ما قبله قلنا لا كيف :