صديق الحسيني القنوجي البخاري

105

فتح البيان في مقاصد القرآن

واختلف أهل العلم في العهد المذكور في هذه الآية ما هو فقيل هو المذكور في قوله تعالى : خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ [ البقرة : 63 ] وقيل هو ما في قوله : وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً [ المائدة : 12 ] وقيل هو قوله : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ [ آل عمران : 187 ] وقيل إن المراد من هذا العهد ما أثبته في الكتب المتقدمة من وصف محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وإنه سيبعثه على ما صرح بذلك في سورة المائدة بقوله : وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ [ المائدة : 12 ] إلى قوله : لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ [ المائدة : 12 ] وقال في سورة الأعراف وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ [ الأعراف : 156 ، 157 ] . وأما عهد اللّه معهم فهو أن ينجز لهم ما وعدهم من وضع ما كان عليهم من الإصر والأغلال التي كانت في أعناقهم ، وقال : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ [ آل عمران : 81 ] الآية وقال : وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [ الصيف : 6 ] وقال ابن عباس إن اللّه تعالى كان عهد إلى بني إسرائيل في التوراة إني باعث من بني إسماعيل نبيا أميا فمن تبعه وصدق بالنور الذي يأتي به أي بالقرآن غفرت له ذنبه وأدخلته الجنة ، وجعلت له أجرين ، أجرا باتباع ما جاء به موسى وجاءت به سائر أنبياء بني إسرائيل ، وأجرا باتباع ما جاء به محمد النبي الأمي من ولد إسماعيل ، وتصديق هذا في القرآن في قوله تعالى : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ [ القصص : 52 ] إلى قوله : أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا [ القصص : 54 ] . وكان علي بن عيسى يقول تصديق ذلك في قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ [ الحديد : 28 ] وتصديقه أيضا فيما روى أبو موسى الأشعري عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل من أهل الكتاب آمن بعيسى ثم آمن بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم فله أجران ، ورجل أدب أمته فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران ورجل أطاع اللّه وأطاع سيده فله أجران » « 1 » .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في العلم باب 31 ، والعتق باب 14 ، والجهاد باب 145 ، والنكاح باب 12 ، والأنبياء باب 48 ، ومسلم في الإيمان حديث 241 ، وأبو داود في النكاح باب 5 ، وابن ماجة في النكاح باب 42 ، والدارمي في النكاح باب 46 ، وأحمد في المسند 4 / 395 ، 398 ، 408 ، 414 .