صديق الحسيني القنوجي البخاري
106
فتح البيان في مقاصد القرآن
ولنذكر الآن بعض ما جاء في كتب الأنبياء المتقدمين من البشارة بمقدم محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . فالأول : جاء في الفصل التاسع من السفر الأول من التوراة أن هاجر لما غضبت عليها سارة تراءى لها ملك فقال لها يا هاجر أين تريدين ومن أين أقبلت ، قالت أهرب من سيدتي سارة فقال لها ارجعي إلى سيدتك واخفضي لها فإن اللّه سيكثر زرعك وذريتك وستحبلين وتلدين ابنا وتسميه إسماعيل من أجل أن اللّه سمع تبتلك وخشوعك ، وهو يكون عين الناس ، وتكون يده فوق الجميع ويد الجميع مبسوطة إليه بالخضوع وهو يشكر على رغم جميع إخوته . واعلم أن الاستدلال بهذا الكلام أن هذا الكلام خرج مخرج البشارة وليس يجوز أن يبشر الملك من قبل اللّه بالظلم والجور ، وبأمر لا يتم إلا بالكذب على اللّه تعالى ، ومعلوم أن إسماعيل وولده لم يكونوا متصرفين في الكل أعني في معظم الدنيا ومعظم الأمم ، ولا كانوا مخالطين للكل على سبيل الاستيلاء إلا بالإسلام لأنهم كانوا قبل الإسلام محصورين في البادية لا يتجاسرون على الدخول في أوائل العراق وأوائل الشام إلا على أتم خوف ، فلما جاء الإسلام استولوا على الشرق والغرب بالإسلام ومازجوا الأمم ووطئوا بلادهم ومازجتهم الأمم وحجوا بيتهم ودخلوا باديتهم بسبب مجاورة الكعبة . فلو لم يكن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم صادقا لكانت هذه المخالطة منهم للأمم ومن الأمم لهم معصية للّه تعالى وخروجا عن طاعته إلى طاعة الشيطان ، واللّه يتعالى عن أن يبشر بما هذا سبيله . والثاني : جاء في الفصل الحادي عشر من السفر الخامس : أن الرب إلهكم يقيم لكم نبيا مثلي من بينكم ومن إخوانكم ، وفي هذا الفصل أن الرب تعالى قال لموسى إني مقيم لهم نبيا مثلك من بين إخوانهم وأيما رجل لم يسمع كلماتي التي يؤديها عني ذلك الرجل باسمي أنا أنتقم منه . وهذا الكلام يدل على أن النبي الذي يقيمه اللّه تعالى ليس من بني إسرائيل كما أن من قال لبني هاشم أنه سيكون من إخوانكم إمام ، عقل منه أنه لا يكون من بني هاشم ، ثم إن يعقوب عليه السّلام هو إسرائيل ولم يكن له أخ إلا العيص ، ولم يكن للعيص ولد من الأنبياء سوى أيوب ، وأنه كان قبل موسى عليه السّلام فلا يجوز أن يكون موسى عليه السّلام مبشرا به ، وأما إسماعيل فإنه كان أخا لإسحاق والد يعقوب ، ثم إن كل نبي بعث بعد موسى كان من بني إسرائيل ، فالنبي عليه السّلام ما كان منهم ، لكنه كان من إخوانهم لأنه من ولد إسماعيل الذي هو أخو إسحاق عليهم السّلام . فإن قيل قوله « من بينكم » يمنع من أن يكون المراد محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ، لأنه لم يقم من بين بني إسرائيل .