صديق الحسيني القنوجي البخاري

101

فتح البيان في مقاصد القرآن

جوز ارتكاب الذنوب على الأنبياء قال ظلم نفسه بالمعصية ، والظلم أصله وضع الشيء في غير موضعه ، ومن لم يجوز ذلك على الأنبياء حمل الظلم على أنه فعل ما كان الأولى أن لا يفعله ، وكلام أهل العلم في عصمة الأنبياء واختلاف مذاهبهم في ذلك مدون في مواطنه ، وقد أطال البحث في ذلك الرازي في تفسيره في هذا الموضع فليرجع إليه فإنه مفيد . فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ أي استزل آدم وحواء عَنْها أي الجنة ودعاهما إلى الزلة وهي الخطيئة أي استزلهما وأوقعهما فيها ، وقيل من الإزالة وهي التنحية أي نحاهما وقيل من الزوال . وقد اختلف أهل العلم في الكيفية التي فعلها الشيطان في إزلالهما فقيل أنه كان ذلك بمشافهة منه لهما وإليه ذهب الجمهور ، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى : وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ [ الأعراف : 21 ] والمقاسمة ظاهرها المشافهة ، وقيل لم يصدر منه إلا مجرد الوسوسة ، والمفاعلة ليست على بابها بل للمبالغة وقيل غير ذلك . فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ أي صرفهما عما كانا عليه من الطاعة إلى المعصية ، وقيل الضمير للجنة ، وعلى هذا فالفعل مضمن معنى أبعدهما ، وإنما نسب ذلك إلى الشيطان لأنه هو الذي تولى إغواء آدم حتى أكل من الشجرة وَقُلْنَا اهْبِطُوا أي انزلوا إلى الأرض ، خطاب لآدم وحواء وخوطبا بما يخاطب به الجمع لأن الاثنين أقل الجمع عند البعض من أئمة العربية ، وقيل إنه خطاب لهما ولإبليس وللحية . فهبط آدم بسرنديب من أرض الهند على جبل يقال له نود ، وأهبطت حواء بجدة وإبليس بالايلة من أعمال البصرة والحية بأصبهان ، وقيل خطاب لهما ولذريتهما لأنهما لما كانا أصل هذا النوع الإنساني جعلا بمنزلته ، ويدل على ذلك قوله : بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فإن هذه الجملة الواقعة حالا مبينا للهيئة الثابتة للمأمورين بالهبوط تفيد ذلك يعني العداوة التي بين المؤمنين من ذرية آدم وبين إبليس . وإليه الإشارة بقوله تعالى : إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا [ فاطر : 6 ] والعدو خلاف الصديق وهو من عدا إذا ظلم ، والعدوان الظلم الصراح وقيل إنه مأخوذ من المجاوزة يقال عداه إذا جاوزه ، والمعنيان متقاربان ، فإن من ظلم فقد تجاوز . قال ابن فارس : العدو اسم جامع للواحد والاثنين والثلاثة ، والعداوة التي بين ذرية آدم والحية هي ما روي عن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من ترك الحيات مخافة طلبهن فليس منا ، ما سالمناهن منذ حاربناهن » « 1 » أخرجه أبو داود ، وله عن ابن

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في الأدب باب 162 ، وأحمد في المسند 1 / 230 ، 2 / 247 ، 432 ، 3 / 462 .