صديق الحسيني القنوجي البخاري
102
فتح البيان في مقاصد القرآن
مسعود أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « اقتلوا الحيات كلهن فمن خاف من ثارهن فليس مني » « 1 » وفي رواية « إلا الجان الأبيض الذي كأنه قضيب فضة » « 2 » وعن أبي سعيد الخدري أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إن بالمدينة جنا قد أسلموا فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان » « 3 » وفي رواية « أن بهذه البيوت عوامر ، فإذا رأيتم منها شيئا فحرجوا عليه ثلاثا فإن ذهب وإلا فاقتلوه فإنه كافر » « 4 » . وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ المراد بالمستقر موضع الاستقرار ، ومنه أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا [ الفرقان : 24 ] وقد يكون بمعنى الاستقرار ، ومنه إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ [ القيامة : 12 ] فالآية محتملة للمعنيين ومثلها قوله : جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً [ النمل : 61 ] وَمَتاعٌ المتاع ما يستمتع به من المأكول والمشروب والملبوس ونحوها أي بلغة ومستمتع إِلى حِينٍ أي إلى وقت انقضاء آجالكم . واختلف المفسرون في قوله حِينٍ فقيل إلى الموت وقيل إلى قيام الساعة ، وأصل معنى الحين في اللغة الوقت البعيد ، ومنه هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ [ الإنسان : 1 ] والحين الساعة ومنه أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ [ الزمر : 58 ] والحين القطعة من الدهر ومنه فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ [ المؤمنون : 54 ] أي حين تفنى آجالهم ويطلق على السنة وقيل على ستة أشهر ، ومنه تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ [ إبراهيم : 25 ] ويطلق على المساء والصباح ومنه حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ [ الروم : 17 ] قال ابن العربي الحين المجهول لا يتعلق به حكم والحين المعلوم سنة . فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ ومعنى التلقي أخذه لها وقبوله لما فيها وعلمه بها وقيل فهمه لها وفطانته لما تضمنته ، وأصل معنى التلقي الاستقبال أي أستقبل الكلمات الموحاة إليه ، وقيل إن معنى تلقي تلقن ، ولا وجه له في العربية ، واختلف السلف في تعيين هذه الكلمات فعن ابن عباس قال هي قوله : رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ [ الأعراف : 23 ] وعنه قال علم شأن الحج وهي الكلمات ، وعن عبد اللّه بن زيد قال لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءا ، وظلمت نفسي فارحمني إنك أنت أرحم الراحمين ، وروي نحوه عن أنس وسعيد بن جبير فَتابَ عَلَيْهِ أي فتجاوز عنه وغفر له ، وأصل التوبة من تاب يتوب إذا رجع إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ أي الرجاع على عباده بقبول التوبة الرَّحِيمُ بخلقه .
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في الأدب باب 162 ، والنسائي في الجهاد باب 48 . ( 2 ) أخرجه أبو داود في الأدب باب 162 . ( 3 ) أخرجه مالك في الاستئذان حديث 33 . ( 4 ) أخرجه أحمد في المسند 3 / 27 ، بلفظ « إن معكم عوامر » .