الشيخ محمد النهاوندي

90

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

قلوبهم ، فانّهم « 1 » مَنْ تَوَلَّى وأعرض بقلبه عَنْ ذِكْرِنا والمنبّهات النازلة منّا من القرآن الذي فيه تبيان كلّ شئ ، والبراهين المتقنة المثبتة للحقّ وَ ذلك لأنّه لَمْ يُرِدْ ولم يطلب إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا ومشتهياتها ، فأغفلته شدّة طلبها والانهماك في لذّاتها عن التفكّر في مآلها وتبعاتها ، والاعتقاد بعالم الآخرة ودار الجزاء ، ومن غفل عن الآخرة وترك التفكّر فيها ، لا يخاف العقوبة على سيئاته ، ولا يرجع عمّا هو عليه من الباطل ذلِكَ المذكور من حياة الدنيا وشهواتها المحسوسة مَبْلَغُهُمْ وحدّ ما وصلوا إليه مِنَ الْعِلْمِ والادراك ، لا يكاد يجاوزونه إلى المعقولات حتى ينفعهم التعليم والارشاد إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ خبثت طينته ، وقلّ عقله ، وساءت أخلاقه من كلّ عالم لو فرض وجوده ، ولذا ضَلَّ وانحراف عَنْ دين اللّه الذي هو سَبِيلِهِ المؤدّي إلى قربه ورحمته ضلالا أبديا بحيث لا يرجى أن يرجع إليه وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ طابت طينته ، وتنوّر قلبه ، وانشرح صدره ، وحسنت أخلاقه ، ولذا اهْتَدى إلى دين الحقّ ، وسلك سبيلة ، ونال خير الدنيا والآخرة ، وفي تكرير قوله : وَهُوَ أَعْلَمُ زيادة التقرير والايذان بتباين المعلومين . قيل : إنّ معنى ( أعلم ) هنا العالم الذي لا عالم مثله « 2 » ، وإنّما قدّم سبحانه بيان علمه بضلال الضالين ؛ لأنّ المقصود تهديدهم وتسلية النبي صلّى اللّه عليه وآله . [ سورة النجم ( 53 ) : الآيات 31 إلى 32 ] وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ( 31 ) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى ( 32 ) ثمّ لمّا لم يكن العلم بالضلال مرعبا إلّا مع القدرة على العقوبة ، بيّن سبحانه كمال قدرته بقوله : وَلِلَّهِ تعالى وحده ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إيجادا وإعداما وتصرّفا ، ومن الواضح أنّه لم يكن خلقهما عبثا ، بل إنّما خلق جميع ذلك لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا السوء بِما عَمِلُوا في الدنيا . وقيل : إنّ التقدير بعقوبة ما عملوا « 3 » وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا وأطاعوا ربّهم بِالْحُسْنَى والمثوبة العظيمة ، وهي الجنّة والنّعم الدائمة . وقيل : يعني بالأعمال الحسنى « 4 » . ثمّ بيّن سبحانه المحسنين بقوله تعالى : الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ الأفعال التي تكون كَبائِرَ الْإِثْمِ وعظائم المعاصي من حين بلوغهم أو اسلامهم إلى الموت سواء كانت ترك الواجبات أو إتيان

--> ( 1 ) . في النسخة : فان هم . ( 2 ) . تفسير الرازي 29 : 3 . ( 3 ) . تفسير أبي السعود 8 : 161 . ( 4 ) . تفسير الرازي 29 : 6 .