الشيخ محمد النهاوندي

91

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

المحرّمات . ويحتمل أن تكون الجملة لبيان اشتراط قبول الحسنات بالاجتناب عن المعاصي الكبيرة . وقيل : إنّه لمّا بيّن سبحانه حال المسيئين وحال المحسنين ، بيّن حال من لم يأت بالحسنات ولم يرتكب المحرّمات الكبيرة « 1 » وَالْفَواحِشَ والقبائح الشديدة القبح ، كالشرك والزنا واللواط وقتل النفس المحترمة وسبّ النبي أو أحد من المعصومين ، فانّها أكبر الكبائر إِلَّا اللَّمَمَ وما يفعله مرّة واتّفاقا من غير عادة ولا استمرار عليه . عن ابن عباس ، قال : معناه إلّا أن يلمّ بالفاحشة مرّة ثمّ يتوب ، ولم يثبت عليه ، فانّ اللّه يقبل توبته « 2 » . عن الصادق عليه السّلام . قال : « الفواحش : الزنا والسرقة ، واللّمم : الرجل يلمّ بالذنب فيستغفر اللّه منه » « 3 » . أقول : يلمّ بالذنب . أي يقربه ويرتكبه ولا يقيم عليه . وعنه عليه السّلام : « ما من ذنب إلّا وقد طبع عليه المؤمن ، يهجره الزمان ثمّ يلمّ به وهو قول اللّه تعالى : الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ » قال : « اللّمّام : العبد الذي يلمّ بالذنب بعد الذنب ، ليس بسليقته » أي من طبعه « 4 » . أقول : « وقد طبع عليه المؤمن » أي يرغب إليه بطبعه وقوله : « ثمّ يلمّ به » أي يرتكبه ويقع فيه اتفاقا ، وقوله « يلمّ بالذنب بعد الذنب » أي يقربه مرة بعد مرة من باب الاتفاق لا للعادة كما عن بعض ، قال : اللّمم والإلمام : ما يعمله الانسان الحين بعد الحين ، ولا يكون له عادة ولا إقامة عليه « 5 » . أقول : على ذلك يكون الاستثناء متّصلا ، وقيل : إنّ كلمة ( إلّا ) بمعنى غير ، والمعنى والفواحش غير اللّمم « 6 » . وقيل : إنّ الاستثناء منقطع ، والمراد باللّمم المعاصي الصغيرة « 7 » . وروي أنّ نبهان التمّار أتته امرأة لتشتري التمر ، فقال لها : ادخلي الحانوت ، فعانقها وقبّلها ، فقالت المرأة : خنت أخاك ولم تصب حاجتك ، فندم وذهب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فنزلت « 8 » . أقول : نزول الآية في مورد الصغيرة الواقعة من باب الاتفاق ، لا ينافي شمولها لكبيرة الاتفاقية ، ودلالة الآية على قبول التوبة من جميعها ، بل مغفرته بلا توبة إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ لا تضيق مغفرته عن ذنوب جميع الخلق ، إلّا أنّه تعالى أوجب التوبة ووعد بقبولها . [ سورة النجم ( 53 ) : آية 32 ] الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى ( 32 )

--> ( 1 ) . تفسير الرازي 29 : 6 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 9 : 242 . ( 3 ) . الكافي 2 : 212 / 7 ، تفسير الصافي 5 : 94 . ( 4 ) . الكافي 2 : 320 / 5 ، تفسير الصافي 5 : 94 . ( 5 ) . تفسير روح البيان 9 : 242 . ( 6 ) . تفسير الرازي 29 : 8 . ( 7 و 8 ) . تفسير روح البيان 9 : 242 .