الشيخ محمد النهاوندي
9
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في سبعين رجلا من بني تميم وقت الظهيرة ، وهو راقد ، فقالا : يا محمد ، اخرج إلينا ، فنحن الذين مدحنا زين وذمّنا شين ، فاستيقظ صلّى اللّه عليه وآله ، فخرج وقال لهم : « ويحكم ذلكم اللّه » « 1 » . وروي أنّه سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله عنهم فقال : « هم جفاة بني تميم ، لولا أنّهم من أشدّ الناس قتالا للأعور الدجّال ، لدعوت اللّه أن يهلكهم ، فنزلت الآية ذمّا لهم « 2 » . وعن ابن عباس رضى اللّه عنه : أنّه بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله سريّة إلى حي بني العنبر ، وأمرّ عليهم عيينة بن الحصين ، فلمّا علموا أنّه توجّه نحوهم هربوا وتركوا عيالهم ، فسباهم عيينة ، وقدم بهم إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فجاء بعد ذاك رجالهم يفدون الذراري ، فقدموا وقت الظهيرة ، فوافوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قائلا في أهله ، فلمّا رأتهم الذرارىى أجهشوا إلى آبائهم يبكون ، وكان لكلّ امرأة من نساء النبي صلّى اللّه عليه وآله بيت وحجرة ، فجعلوا ينادون : يا محمد ، اخرج إلينا ، حتى ايقضوه من نومه ، فخرج إليهم فقالوا : يا محمد ، فادنا عيالنا . فنزل جبرئيل فقال : إنّ اللّه يأمرك أن تجعل بينك وبينهم رجلا . فقال صلّى اللّه عليه وآله : « أترضون أن يكون بيني وبينكم سبرة بن عمرو ، وهو على دينكم ؟ » قالوا : نعم . قال سبرة : أنا لا أحكم بينهم وعمي شاهد ، وهو أعور بن بشامة بن ضرار . فرضوا به . فقال الأعور : فأنا أرى أن تفادي نصفهم ، وتعتق نصفهم . فقال صلّى اللّه عليه وآله : « قد رضيت » ففادى نصفهم ، وأعتق نصفهم . وقال مقاتل : وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ لأنّك كنت تعتقهم جميعا وتطلقهم بلا فداء « 3 » . [ سورة الحجرات ( 49 ) : آية 6 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ ( 6 ) ثمّ إنّه تعالى بعد تعليم المؤمنين الأدب مع الرسول صلّى اللّه عليه وآله علّمهم كيفية معاملتهم مع سائر الناس ، فابتدأ بكيفية معاملتهم مع الفسّاق بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ وأنبأكم فاسِقٌ من الفسّاق بِنَبَإٍ وأخبركم بخبر يعظم وقعه في القلوب ، كالإخبار بإرادة قوم قتالكم فَتَبَيَّنُوا وتفحّصوا عن صدقه وكذبه حتى تظهر حقيقة الحال ، ولا تعتمدوا على خبره ، فانّ من لا يحترز عن الفسق لا يؤمن منه الكذب ، فيكون في تحقيق الحال من الحذر أَنْ تُصِيبُوا أيّها المؤمنون وتضرّوا قَوْماً من المسلمين بِجَهالَةٍ وبسبب عدم العلم بواقع الحال ، وعدم طريق عقلائي دالّ
--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 9 : 67 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 9 : 68 . ( 3 ) . تفسير روح البيان 9 : 68 .