الشيخ محمد النهاوندي

70

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

ثمّ لمّا أمر سبحانه في آخر السورة السابقة بتذكير الخائفين من الوعيد ، وذكر هنا حال الخائفين من عذابه ، أمره بوعظهم وتذكيرهم بقوله تعالى : فَذَكِّرْ يا محمد وعظ الخائفين من اللّه بآيات الكتاب الكريم ، ولا تعتن بما يقوله الكفار من أنّ محمدا كاهن أو مجنون فَما أَنْتَ بحمد اللّه و بِنِعْمَةِ رَبِّكَ التي أنعمها عليك من كمال العقل ومنصب الرسالة بِكاهِنٍ ومخبر بالغيب بتوسّط الجنّ وَلا مَجْنُونٍ وفاسد العقل . ثمّ وبّخهم سبحانه على بعض أقاويلهم الشنيعة تعبجّبا منها بقوله : أَمْ يَقُولُونَ أولئك الطّغاة إذا سمعوا القرآن : إنّ محمدا شاعِرٌ وملفّق الكلمات الموزونة المزينة المموّهة « 1 » لطلب المال ، ولا نعارضه خوفا من أن يغلبنا بقوة شعره ، أو يهجونا ، بل نَتَرَبَّصُ وننتظر بِهِ في خلاصنا من شرّه رَيْبَ الْمَنُونِ وحوادث الدهر ، أو موته وهلاكه قُلْ يا محمد ، لهؤلاء المعاندين : تَرَبَّصُوا وانتظروا هلاكي بحوادث الدهر فَإِنِّي مَعَكُمْ أيضا متربص مِنَ جملة الْمُتَرَبِّصِينَ لهلاككم بالعذاب النازل عليكم من اللّه أو بأيدينا . ثمّ وبّخهم سبحانه على ضعف عقولهم بقوله : أَمْ تَأْمُرُهُمْ وتبعثهم أَحْلامُهُمْ وعقولهم بِهذا القول الشنيع ، وإلى التكلّم بالمتناقضات ، حيث إنّ لازم الكهانة الفطنة والعقل والدقّة في الأمور ، ولازم الجنون عدم الفهم واختلال الفكر ، ولازم الشاعر القدرة على الكلام الموزون المتّسق المخيّل بقوة الفكر ، ولا يمكن اجتماع الثلاثة في شخص واحد ، لا واللّه لا يجوّز العقل التكلّم بها أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ وهل هم إلّا طائفة معاندون للّه ولكلّ حقّ وصواب ، يبعثهم عنادهم إلى التكلّم بالخرافات التي لا تصدر من ذي شعور ، والمكابرة بالتفوّه بكلّ كلام باطل لإطفاء الحقّ مع ظهوره . [ سورة الطور ( 52 ) : الآيات 33 إلى 38 ] أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ ( 33 ) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ ( 34 ) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ ( 35 ) أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ ( 36 ) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ ( 37 ) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 38 )

--> ( 1 ) . في النسخة : المموّهمة .