الشيخ محمد النهاوندي
71
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
ثمّ وبّخهم سبحانه على الطعن على القرآن الذي فيه وجوه من الاعجاز بقوله : أَمْ يَقُولُونَ : إنّ القرآن الذي جاء به جبرئيل مما تَقَوَّلَهُ محمد ، واختلقه من قبل نفسه ، وينسبه كذبا إلى اللّه ؟ لا واللّه ليس كذلك ، ولا يعتقدون ذلك بَلْ هم قوم ختم اللّه على قلوبهم ، فهم لا يُؤْمِنُونَ بآية من الآيات ، ولا يصدّقون معجزة من المعجزات ، فإن كان القرآن ممّا تقوّله محمد كما يقولون الكفّار فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ وكلام مركّب مِثْلِهِ في الفصاحة والبلاغة وحسن الأسلوب ، والاشتمال على العلوم والمعارف ، من عند أنفسهم إِنْ كانُوا صادِقِينَ في ما يقولون من أنّه كلام البشر ، مع أنّهم مهرة الكلام وفرسان ميدان الفصاحة والبلاغة ، وطول ممارستهم الخطب والأشعار ، وكثرة مزاولتهم لأساليب النّظم والنثر ، وشدّة اهتمامهم بحفظ الوقائع والأيام ولا يمكنهم الإتيان بسورة منه فضلا عن جميعه . ثمّ إنّه تعالى بعد توبيخ المشركين على الطعن على رسوله وكتابه ، وبّخهم على إنكار اللّه تعالى بقوله : أَمْ خُلِقُوا قيل : إنّ التقدير أما خلقوا أصلا « 1 » ، أم خلقوا وقدّروا ووجدوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ يكون خالقهم ومقدّرا وموجدا لهم أَمْ لهم موجد وخالق ، ولكن هُمُ أنفسهم الْخالِقُونَ لأنفسهم ؟ وكل الصور الثلاث باطل بالبداهة ، لتحقّق خلقهم ، وامتناع وجود المخلوق بغير خالق ، وامتناع كون أنفسهم خالقا لهم . وقيل : إنّ المراد من قوله : خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ من غير حكمة ، وعبثا لا لشيء « 2 » . وقيل : يعني خلقوا من غير أب وأمّ « 3 » . وقيل : في وجه ارتباط الآية : إنّه لمّا كذّبوا النبي صلّى اللّه عليه وآله ونسبوه إلى الكهانة والجنون والشعر ، ذكر الدليل على صدقه « 4 » ، حيث إنّه يدّعي التوحيد والرسالة والحشر ، ودليل كلّ منها ظاهر في أنفسهم ، أمّا دلالة وجودهم على التوحيد فظاهر ، وأما دلالته على الحشر فلأنّ الخلق الأوّل دليل على الخلق الثاني ، والمراد : أما خلقوا أصلا ، فينكرون التوحيد لانتفاء الايجاد ، وينكرون الحشر لانتفاء الخلق الأول ، أم يقولون : إنّهم ما خلقوا لشيء فلا إعادة ، أو ما خلقوا من تراب وماء أو من نطفة حتى يخفى عليهم أنّ لهم خالقا ويقولون : إنّ خلقنا كان اتّفاقيا ، أم هم الخالقون للموجودات ، فيعجزون بكثرة العمل عن الخلق الثاني مرّة ، كما أن الإعياء « 5 » دأب الانسان ؟
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 28 : 260 . ( 2 ) . تفسير الرازي 28 : 260 . ( 3 ) . تفسير الرازي 28 : 260 ، تفسير روح البيان 9 : 202 . ( 4 ) . تفسير الرازي 28 : 259 . ( 5 ) . في النسخة الأعباء .