الشيخ محمد النهاوندي

59

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

بعضهم مع بعض أن يقولوا هذا القول ، لا ليس توافقهم عليه لتوصيتهم بذلك ، لبعد زمانهم ، وعدم تلاقيهم في وقت بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ مشركون في عداوة اللّه والإعراض عن الحقّ ، فاشتركوا في التفوّه بتلك الكلمة الشنيعة فَتَوَلَّ يا محمد وأعرض عَنْهُمْ فإنّك قد بالغت في دعوتهم ، وأتعبت نفسك في نصحهم ووعظهم ، وأتممت الحجّة عليهم فَما أَنْتَ بعد ذلك بِمَلُومٍ في تركهم والإعراض عنهم ، فان كنت رحيما وعطوفا بهم ، ولا تريد أن تدعهم بالكلية وَذَكِّرْ وعظ الناس فَإِنَّ الذِّكْرى والعظة وبيان العلوم والمعارف وأمور الآخرة تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ حيث إنّها تنوّر قلوبهم ، وتزيد في إيمانهم ورغبتهم إلى الطاعة والعبادة . عنهما عليهما السّلام قالا : « إنّ الناس لمّا كذبوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله همّ اللّه بإهلاك أهل الأرض إلّا عليا فما سواه بقوله : فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ ثمّ بدا له فرحم المؤمنين ، ثمّ قال لنبيه صلّى اللّه عليه وآله : وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ » « 1 » . وعن أمير المؤمنين عليه السّلام « لمّا نزلت فَتَوَلَّ عَنْهُمْ لم يبق أحد منّا إلّا أيقن بالهلكة ، فلمّا نزل وَذَكِّرْ . . . الآية طابت أنفسنا » « 2 » . [ سورة الذاريات ( 51 ) : آية 56 ] وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) ثمّ لمّا كان ازدياد المعرفة ورغبة المؤمنين في العبادة من منافع التذكير ، بيّن سبحانه أنّ معرفته وعبادته هو الغرض من الخلقة بقوله : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ أولا وهم أعمّ من الملك وَالْإِنْسَ بعدهم لغرض من الأغراض وحكمة من الحكم إِلَّا ليعرفون ربّهم بالوجود والحكمة والقدرة وسائر الصفات الجمالية والجلالية و لِيَعْبُدُونِ خالقهم ، فيستكملوا بالعلم والعبادة ، ويستعدّوا للنيل بالفيوضات الأبدية ، ويستأهلوا للحياة الدائمة والنّعم الباقية ، والكرامات الفائقة غير المتناهية . عن الصادق عليه السّلام ، قال : « خرج الحسين بن علي عليه السّلام على أصحابه ، فقال : أيّها الناس ، إنّ اللّه ما خلق العباد إلّا ليعرفوه ، فإذا عرفوه عبدوه ، وإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة من سواه » فقال رجل : يا بن رسول اللّه ، بأبي أنت وأمّي ، فما معرفة اللّه ؟ قال : « معرفة أهل كلّ زمان إمامهم الذي يجب عليهم طاعته » « 3 » . وعن الصادق عليه السّلام أنّه سئل عن هذه الآية فقال : « خلقهم ليأمرهم بالعبادة » قيل : قوله تعالى : وَلا

--> ( 1 ) . الكافي 8 : 103 / 78 ، تفسير الصافي 5 : 74 . ( 2 ) . مجمع البيان 9 : 243 ، تفسير الصافي 5 : 75 . ( 3 ) . علل الشرائع : 9 / 1 ، تفسير الصافي 5 : 75 .