الشيخ محمد النهاوندي
60
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ ؟ قال : « خلقهم ليفعلوا ما يستوجبون رحمته [ فيرحمهم ] » « 1 » . تحقيق في الجمع بين الروايات أقول : بعد ما بينا أنّ معرفة اللّه مستلزمة لعبادته ، وعبادته مستلزمة لاستحقاق رحمته ، والغرض من الخلق أن يستكملوا أنفسهم وتترقّى من حضيض الحيوانية إلى كمال الانسانية حتى تستأهل للرحمة الدائمة والفيوضات الأبدية ، صحّ أن يقال : خلقهم اللّه لمعرفته ولعبادته ، ولمّا كان حصول العبادة متوقّفا على أمر اللّه ونهيه ، وتعليمه كيفية عبادته ، كتوقّفه على معرفته ، صحّ أن يقال : خلقهم ليأمرهم بالعبادة ، للتنبيه على أنّ العبادة التي هي المقصودة من الخلق ، هي العبادة الاختيارية لا الجبرية والاضطرارية ، فظهر ممّا ذكر صحّة تعليل الخلق بكلّ من المعرفة والأمر بالعبادة ، والعبادة والرحمة ، ولمّا كان ظاهر الآية المباركة كون العبادة غاية الغايات ، بيّن سبحانه بقوله : وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ أنّ غاية الغايات نيلهم بالرحمة والنعم لا نفس العبادة ، ومن ذلك يصحّ إطلاق الناسخ على الآية الثانية ، كما ورد في حديث « أنّ الآية منسوخة بقوله : وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ » « 2 » فلا تنافي بين الروايات . [ سورة الذاريات ( 51 ) : الآيات 57 إلى 60 ] ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ( 57 ) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ( 58 ) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ ( 59 ) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ( 60 ) ثمّ لمّا كانت الآية موهمة لحاجته تعالى إلى عبادة خلقه ، صرّح سبحانه بأنّ الغرض استكمال الخلق لا استكمال نفسه بقوله : ما أُرِيدُ مِنْهُمْ شيئا مِنْ رِزْقٍ ومال يكتسبون لي لأنظم به أمور معيشتي ، كما يريد الموالي من عبيدهم ذلك وَما أُرِيدُ منهم أقلّ من ذلك ، مثل أَنْ يطبخوا لي طعاما يُطْعِمُونِ وحاصل مفاد الآية واللّه أعلم : إنّي لا أريد منهم مالا ارتزق به ، أو عملا أقضي به حاجتي إِنَّ اللَّهَ الذي هو خالق كلّ شيء هُوَ الرَّزَّاقُ لعباده ، فكيف يريد منهم الرزق وهو ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ والشديد على جميع خلقه ، فكيف يحتاج إلى عملهم له ؟ وإذا علم أنّ خلق الثقلين للعبادة فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ولم يعتنوا بالغرض الذي خلقوا له ، ووضعوا عبادتهم في غير موضعها ، بأن عبدوا غير اللّه ، ووضعوا مكان تصديق النبي صلّى اللّه عليه وآله تكذيبه ، أو ضيّعوا
--> ( 1 ) . علل الشرائع : 13 / 10 ، تفسير الصافي 5 : 75 . ( 2 ) . تفسير القمي 2 : 331 ، تفسير الصافي 5 : 75 ، والآية من سورة هود : 11 / 118 .