الشيخ محمد النهاوندي

58

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ها بحيث تحيط بجميع كرات العناصر ، بل كلّها بالنسبة إليها كحلقة في فلاة ، أو لموسعون الرزق على الخلق منها ، أو المراد لقادرون على خلق أمثالها وَالْأَرْضَ البسيطة التي تسكنونها ، نحن فَرَشْناها وبسطناها تحتكم ، لتستقرّوا عليها ، ومهدناها لكم كالفراش ، تنامون وتتقلبون عليها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ نحن ، أو ماهدها . وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ من الأشياء ، وجنس من الأجناس خَلَقْنا زَوْجَيْنِ ونوعين ، أو صنفين ، كالجوهر والعرض ، والمجرّد والمادي ، والجماد والنامي ، والمدرك والنبات ، والناطق والصامت ، والذكر والأنثى ، إلى غير ذلك ، وإنّما فعلنا جميع ذلك لَعَلَّكُمْ أيّها الناس تَذَكَّرُونَ وتتنبّهون أنّ ربكم قادر على كلّ شيء ، وفرد لا زوج له ، وأنّه خلق للدنيا زوجا ، وهو الآخرة ، وأنّه مستحق للعبادة ، ومتفرّد في الألوهية ، فقل يا محمد إذا ظهر لكم أنّ الامر كذلك : فَفِرُّوا وأهربوا من العذاب ، ومن كلّ ما تخافون منه إِلَى اللَّهِ القادر المنعم عليكم وحده ، واسرعوا في الايمان بتوحيده والتسليم لأحكامه ، وبادروا إلى عبادته ، كي تنجوا من عقابه ، وتفوزوا بثوابه إِنِّي لَكُمْ يا عباد اللّه مِنْهُ نَذِيرٌ ومخوّف من عذابه على الشرك مُبِينٌ وظاهر رسالتي عنه ببرهان قاطع ومعجز باهر ، لا عذر لكم في تكذيبي وعدم اتّباع قولي . ثمّ أكّد الأمر بالتوحيد بالنهي عن الشرك بقوله : وَلا تَجْعَلُوا بهوى أنفسكم مَعَ اللَّهِ الواحد الأحد في الألوهية والربوبية والمعبودية إِلهاً ومعبودا آخَرَ من مخلوقاته ، كالكواكب والأصنام وغيرهما ، ولا تدعوا معه غيره إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ . [ سورة الذاريات ( 51 ) : الآيات 52 إلى 55 ] كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ( 52 ) أَ تَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ ( 53 ) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ ( 54 ) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ( 55 ) ثمّ لمّا كان النبي صلّى اللّه عليه وآله كلّما دعا قومه إلى التوحيد والايمان بالبعث بعد الموت ، قالوا إنّه مجنون وكلّما أتى بالمعجزات قالوا : إنّه ساحر ، وكان يتأثّر قلبه الشريف من ذلك ، سلّاه سبحانه بالإخبار بأنّ سائر الأمم كان دأبهم ذلك بقوله : كَذلِكَ أمر سائر الأمم ، فانّه ما أَتَى الأمم الَّذِينَ كانوا مِنْ قَبْلِهِمْ من زمان نوح مِنْ رَسُولٍ مبعوث لهدايتهم إِلَّا قالُوا في حقّه إذا أتاهم بمعجزة : إنّه ساحِرٌ أَوْ إذا دعاهم إلى التوحيد والمعاد : إنّه مَجْنُونٌ فلا تحزن على ما قال قومك في حقّك . والعجب من اتّفاق جميع الأمم على هذا القول الشنيع في حقّ رسلهم أَ تَواصَوْا بِهِ وتعاهد