الشيخ محمد النهاوندي

558

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

عرفة إلى : مزدلفة ، ومن المزدلفة إلى منى ، يعني إبل الحاج . قال ابن عباس : فرجعت من قولي إلى قول علي عليه السّلام « 1 » . وعلى هذا فَالْمُورِياتِ قَدْحاً يعني أنّ الحوافر ترمي بالحجر من شدّة العدو ، فتضرب به حجرا آخر فتوري النار « 2 » ، أو المراد إبراء الحاجّ النيران لحوائجهم بالمزدلفة « 3 » . والمراد بالمغيرات صبحا المسرعات من المزدلفة إلى منى في صبح يوم النّحر « 4 » . قالوا : الإغارة جاء بمعنى السرعة في السير ، وأثرن بالعدو نقعا وغبارا . وقيل : النّقع اسم للوادي الذي بين المزدلفة ومنى « 5 » . وقوله : فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً يعني توسّط بالعدو المزدلفة ، فانّ المزدلفة تسمّى جمعا لاجتماع الناس فيها ، والغرض من القسم بإبل الحاجّ ، أو بخيل الغزاة في سبيل اللّه ، إظهار شرفها المشعر بغاية كرامة راكبهما وفضلهم ، والترغيب في الجهاد والحجّ . [ سورة العاديات ( 100 ) : الآيات 6 إلى 11 ] إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ( 6 ) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ ( 7 ) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ( 8 ) أَ فَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ ( 9 ) وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ ( 10 ) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ( 11 ) ثمّ ذكر سبحانه المقسم عليه بقوله : إِنَّ الْإِنْسانَ بالطبع والجبلّة الأصيلة لِرَبِّهِ المنعم عليه بالنّعم العظام لَكَنُودٌ وكفور ، كما عن ابن عباس وجمع من المفسرين « 6 » . وعن أبي أمامة ، عن النبي صلّى اللّه عليه وآله : « أنّ الكنود الكفور الذي يمنع رفده ، ويأكل وحده ، ويضرب عبده » « 7 » وقيل : أصل الكنود مانع الحقّ والخير « 8 » . وقيل : إنّه البخيل « 9 » . وقيل : يعني لوّام لربّه يذكر المصيبات ، وينسى النّعم « 10 » . وعلى أيّ تقدير يكون ببخله وعصيانه ومنعه حقوق ربّه ونسيانه نعمه شديد الكفران . وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ المذكور من كفرانه لربّه لَشَهِيدٌ يشهد بذلك على نفسه ، لظهور آثاره في أخلاقه وأفعاله بحيث لا يمكنه إنكاره وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ والاشتياق إلى الأموال الدنيوية لَشَدِيدٌ وبالغ غايته ، وإنّما سمّى المال خيرا جريا على عادة الناس . ثمّ ذمّه سبحانه على كفرانه لنعم ربّه مع علمه بكفرانه ، وإكثاره في حبّ المال المستلزم للبخل الشديد ، وغفلته عن سوء عاقبته بقوله : أَ فَلا يَعْلَمُ هذا الانسان الكفور الطالب لمال الدنيا أنّ اللّه مجازيه ومعاقبه على سيئاته إِذا بُعْثِرَ واخرج ما فِي الْقُبُورِ من الأموات وبعث إلى المحشر

--> ( 1 ) . تفسير الرازي 32 : 63 . ( 2 - 3 - 4 - 5 ) . تفسير الرازي 32 : 63 . ( 6 ) . تفسير الرازي 32 : 67 ، عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة . ( 7 - 8 - 9 - 10 ) . تفسير الرازي 32 : 67 .