الشيخ محمد النهاوندي

545

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

على كمال شناعة حالهم ، وأنّهم لمّا تفرّقوا مع كونهم من أهل العلم كان غيرهم أولى بذلك ؛ لأنّ جحود العالم أقبح وأشنع من إنكار الجاهل ، وفيه تسلية النبي صلّى اللّه عليه وآله حيث بيّن أنّ تفرّقهم ليس لقصور الحجة وخفاء الحقّ ، بل للعناد والعصبية . وَ الحال أنّهم ما أُمِرُوا بشيء في كتبهم إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ ولأجل أن يتذلّلوا له حال كونهم مُخْلِصِينَ لَهُ تعالى الدِّينَ وممحضين أنفسهم له بالعبودية ، وآتين أعمالهم لصرف الداعية الإلهية بحيث لا يكون في أعمالهم شائبة الشرك والرياء والعناد والعصبية والنفسانية . وقيل : يعني موحّدين له في العبادة ، لا يعبدون معه غيره « 1 » ، وحال كونهم حُنَفاءَ ومعرضين عن كلّ باطل ، أو متّبعين ملّة إبراهيم الذي تبرأ من نفسه حين سلّمها للنيران ، أو مستقيمين في العقائد والأعمال والأخلاق ، أو مؤمنين بجميع الرسل ، أو حجاجا كما عن ابن عباس « 2 » . وقيل : إنّ اللام في قوله لِيَعْبُدُوا اللَّهَ بمعنى ( أن ) والمعنى إلّا أن يعبدوا اللّه « 3 » . وقيل : إنّ المراد وما أمروا على لسان محمد صلّى اللّه عليه وآله إلّا أن يوحّدوا اللّه ويعبدوه عبادة خالصة من الشرك « 4 » وَ أن يُقِيمُوا الصَّلاةَ التي هي أهمّ العبادات البدنية وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ التي هي أهمّ العبادات المالية . وَذلِكَ المذكور من الخلوص في عبادته وأداء الصلاة والزكاة هو دِينُ الملّة الْقَيِّمَةِ الباقية التي لا تنسخ ، أو المستقيمة التي لا عوج فيها . وقيل : إنّ القيّمة صفة للدين ، والتاء للمبالغة « 5 » . وقيل : إنّ القيّمة اسم أو صفة للأمة « 6 » ، والمعنى دين الأمة القائمة بالقسط . والحاصل أنّ الآية دالّة على أنّ الدين القيم مركّب من الاعتقاد الحقّ والعمل الصالح ، فعلى كلّ عاقل أن يقبله ولا يستنكف منه « 7 » . [ سورة البينة ( 98 ) : الآيات 6 إلى 7 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ( 6 ) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ( 7 ) ثمّ ذكر سبحانه سوء حال الكفّار الذين لا يقبلون هذا الدين في الآخرة بقوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ من اليهود والنصارى وَالْمُشْرِكِينَ كعبدة الأصنام والأوثان والكواكب والنيران وغيرهم ، كلّهم يوم القيامة متمكّنون فِي نارِ جَهَنَّمَ حال كونهم خالِدِينَ ومقيمين فِيها أبدا

--> ( 1 و 2 ) . تفسير الرازي 32 : 46 . ( 3 ) . تفسير الرازي 32 : 44 . ( 4 ) . تفسير الرازي 32 : 43 . ( 5 ) . تفسير الرازي 32 : 47 ، وفيه : والهاء للمبالغة . ( 6 ) . تفسير روح البيان 10 : 488 و 489 . ( 7 ) . في النسخة : يقبلوه ولا يستنكفوا منه .