الشيخ محمد النهاوندي
529
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
شخصه أنّه اسْتَغْنى وصار ذا مال وجاه وقدرة فلا يتفكّر في أطوار خلقته وترقّيه من أخسّ الأحوال إلى أعلاها ، وأنّه من أول وجوده تحت قدرة قادر قاهر حكيم . وقيل : إنّ كلمه كَلَّا ردع لمن كفر بنعمة اللّه بطغيانه « 1 » . روي أنّ أبا جهل قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : أتزعم أنّ من استغنى طغى ، فاجعل لنا جبال مكّة فضّة وذهبا ، لعلّنا نأخذ منها فنطغى ، فندع ديننا ونتّبع دينك . فنزل جبرئيل فقال : إن شئت فعلنا ذلك ، ثمّ إن لم يؤمنوا فعلنا بهم ما فعلنا بأصحاب المائدة ، فكفّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله عن الدعاء إبقاء عليهم ورحمة لهم « 2 » . [ سورة العلق ( 96 ) : الآيات 8 إلى 10 ] إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى ( 8 ) أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى ( 9 ) عَبْداً إِذا صَلَّى ( 10 ) ثمّ هدّد سبحانه الانسان الطاغي عليه بقوله : إِنَّ إِلى رَبِّكَ ومالك أمرك وحده أيّها الانسان الرُّجْعى والمصير بالموت ، أو بالبعث ، فترى سوء عاقبة طغيانك . وقيل : إنّ المعنى أنّ مرجع الانسان إلى اللّه ، فكما أنّه ردّه من النقصان إلى الكمال ، يردّه ويرجعه إلى النقصان والفقر والموت « 3 » . ثمّ بيّن سبحانه غاية طغيان الانسان مظهرا للتعجّب منه بقوله : أَ رَأَيْتَ وهل عاينت يا محمد ، أو أيّها الرائي ، الطاغي الَّذِي بلغ بطغيانه إلى أنّه يَنْهى ويمنع عن الصلاة والقيام بوظيفة العبودية لربّ الأرباب عَبْداً ممحضا في العبودية له إِذا صَلَّى وقام بخدمة مولاه ؟ روي أنّ أبا جهل قال في ملأ من طغاة قريش : هل يعفّر محمد وجهه بين أظهركم ؟ قالوا : نعم . قال : فوالذي نحلف به لئن رأيته يصلّي لأطئنّ عنقه ، ثمّ إنّه رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في الصلاة - قيل : هي صلاه الظهر - فجاءه « 4 » ، وقيل : همّ أن يلقى على رأسه حجرا فنكص على عقبيه ، فقالوا : مالك ؟ فقال : إنّ بيني وبينه لخندقا من نار وهولا شديدا أجنحة « 5 » . وقال نبي اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « والذي نفسي بيده لو دنا منّي لاختطفته الملائكة عضوا عضوا » فنزلت « 6 » . قال الفخر الرازي في وجه إظهار اللّه تعالى العجب من طغيان أبي جهل ومنعه الرسول صلّى اللّه عليه وآله عن
--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 10 : 474 . ( 2 ) . تفسير الرازي 32 : 20 ، تفسير أبي السعود 9 : 178 ، تفسير روح البيان 10 : 474 . ( 3 ) . تفسير الرازي 32 : 20 . ( 4 ) . تفسير روح البيان 10 : 475 . ( 5 ) . في النسخة : واضحة ، والمراد أجنحة الملائكة ، تفسير روح البيان 10 : 475 . ( 6 ) . مجمع البيان 10 : 282 ، تفسير الصافي 5 : 349 ، تفسير الرازي 32 : 20 ، تفسير روح البيان 10 : 475 .