الشيخ محمد النهاوندي

528

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

خَلَقَ بقوله : خَلَقَ الْإِنْسانَ الذي هو أعجب المخلوقات وأشرفها مِنْ عَلَقٍ وقطعات دم متكوّنة من نطف قذرة ، وإنّما قال : عَلَقٍ بصيغة الجمع باعتبار معنى الانسان وكثرته ، أو لمراعاة الفواصل ، فنبّه سبحانه على أنّ من خلق الانسان الحي القادر القابل للكمالات العلمية والعملية من مادة خسيسة بعيدة من الحياة ، قادر على أن يعلّمك القراءة وأنت حيّ متكلّم قابل للعلوم . [ سورة العلق ( 96 ) : الآيات 3 إلى 7 ] اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ( 3 ) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ( 4 ) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ( 5 ) كَلاَّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى ( 6 ) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى ( 7 ) ثمّ أكّد سبحانه وجوب القراءة بقوله ثانيا : اقْرَأْ وقيل : إنّ الأول أمر بقراءته لنفسه ، والثاني أمر بقراءته للتبليغ والتعليم « 1 » . ثمّ استأنف سبحانه ذكر أوصافه ومننه بقوله : وَرَبُّكَ هو الْأَكْرَمُ المبالغ في الإحسان والجود حيث إنّه يحسن بعبيده بعد العصيان والتقصير كما يحسن قبله ، وإنّ كلّ كريم ينال بكرمه خيرا لنفسه ، وربّك لا يكون كرمه إلّا لمحض حسنه . وقيل : يعني أنت كريم ، وربّك أكرم منك « 2 » ، ومن كرمه أنّه الَّذِي عَلَّمَ الانسان الكتابة بِالْقَلَمِ وفيه تنبيه على فضيلة الكتابة والخطّ . روي عن سليمان عليه السّلام أنّه سأل عفريتا عن الكلام فقال : ريح لا يبقى . قال : فما قيده ؟ قال : الكتابة « 3 » . قيل : إنّ القلم لا ينطق ، ومع ذلك يسمع الشرق والغرب « 4 » ولولا الخطّ ما استقامت أمور الدين والدنيا « 5 » . وقيل : إنّ المراد علّم الانسان بسبب الكتابة وقراءة الكتب ، فالقلم كناية عن الكتابة « 6 » . ثمّ بيّنه بقوله : عَلَّمَ الْإِنْسانَ بسبب مطالعة الكتب ما لَمْ يَعْلَمْ وأمّا على التفسير الأول يكون تعليمه علوما كثيرة نعمة فوق نعمة تعليم الخطّ ، فذكر سبحانه في السورة مبدأ الانسان ومنتهاه ، وامتنّ عليه بنقله من أدنى المراتب وهي المرتبة العلقية الخسيسة النجسة إلى أعلاها ، وهي مرتبة العلم ، وهو أشرف الكمالات الانسانية ، ومن الواضح أنّ ذلك لا يكون إلّا بقدرة قادر حكيم ، فيدلّ على ربوبيته وأكرميته واستحقاقه للطاعة والعبودية . كَلَّا لا يعلم الانسان أنّ اللّه هو الذي خلقه من العلقة وعلّمه بعد جهله ، ثمّ بيّن سبحانه علّة غفلته بقوله : إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى ويتكبّر ويصير مستغرق القلب في حبّ الدنيا لأجل أَنْ رَآهُ وعلم

--> ( 1 و 2 ) . تفسير الرازي 32 : 16 . ( 3 و 4 ) . تفسير الرازي 32 : 17 . ( 5 ) . تفسير روح البيان 10 : 473 . ( 6 ) . تفسير الرازي 32 : 17 .