الشيخ محمد النهاوندي

51

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

عن الصادق عليه السّلام ، قال : « المحروم المحارف « 1 » الذي حرم كدّ يده من الشراء والبيع » « 2 » . وعن الباقر عليه السّلام : « المحروم الذي ليس بعقله بأس ، ولا يبسط له الرزق ، وهو محارف » « 3 » . ثمّ إنّه تعالى بعد بيان عبادة المتقين وحسن أعمالهم وحسن جزائهم ، بيّن استحقاقه للعبادة والجهد في الطاعة وطلب مرضاته بقوله : وَفِي الْأَرْضِ سهلها وجبلها ، وبرّها وبحرها ، وعيونها وأنهارها ، ومسالكها وفجاجها ، ونباتها وأشجارها ، وأثمارها ومعادنها ، وما رتّب فيها ودبّر لمنافعها لسكّانها آياتٌ عظيمة ، ودلائل واضحة على وجود صانعها ووحدانيته ، وقدرته وعلمه وحكمته ، وإرادته ورحمته ، وإنّما يكون الانتفاع بتلك الآيات لِلْمُوقِنِينَ بتوحيد اللّه ، فانّهم لا يغفلون عنه في حال ، ويرون له في كلّ شيء آية وَفِي أَنْفُسِكُمْ خصوصا آيات ودلائل على أن لها صانعا مستجمعا لجميع الكمالات ، حيث إنّه انطوى في كلّ فرد منكم نظير كلّ موجود يكون في العالم ، مع ماله من الأفعال البديعة والصنائع المختلفة العجيبة ، والعلوم الشريفة ، والمعارف العالية ، والكمالات النفسانية الانسانية ، أأنتم عمون أَ فَلا تُبْصِرُونَ تلك الآيات بعين البصيرة حتى تعتبروا وتستدلّوا بالصنعة على الصانع وبالنقش على النقّاش وكماله . في فضيلة علي عليه السّلام روى بعض العامة : أنّ عليا عليه السّلام صعد يوما على المنبر فقال : « سلوني عمّا دون العرش ، فانّ ما بين جوانحي علم جمّ ، هذا لعاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في فمي ، هذا ما رزقني اللّه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله رزقا » وفي رواية : « هذا ما رقّني رسول اللّه زقّا ، فوالذي نفسي بيده ، لو اذن اللّه للتوراة والإنجيل أن يتكلّما ، فأخبرت بما فيهما لصدقاني » . وكان في المجلس رجل يماني ، فقال : ادّعى هذا الرجل دعوى عريضة لأفضحنّه . فقام وقال : يا علي ، أسأل ؟ قال « سلّ تفقّها ولا تسأل تعنّتا » . فقال : أنت حملتني على ذلك ، هل رأيت ربّك يا علي ؟ قال : « ما كنت أعبد ربا لم أره » . فقال : كيف رأيت ؟ فقال : « لم تره العيون بمشاهدة العيان ، ولكن رأت القلوب بحقيقة الإيمان ، ربّي واحد لا شريك له ، أحد لا ثاني له ، فرد لا مثل له ، لا يحويه مكان ، ولا يداوله زمان ، ولا يدرك بالحواسّ ، ولا يقاس بالقياس » فسقط اليماني مغشيا عليه ، فلمّا أفاق ، قال : عاهدت اللّه أن لا أسال تعنّتا « 4 » . [ سورة الذاريات ( 51 ) : الآيات 22 إلى 34 ] وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ ( 22 ) فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ( 23 ) هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ( 24 ) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ( 25 ) فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ( 26 ) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَ لا تَأْكُلُونَ ( 27 ) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ( 28 ) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ ( 29 ) قالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ( 30 ) قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ ( 31 ) قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ( 32 ) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ ( 33 ) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ ( 34 )

--> ( 1 ) . المحارف : المحروم يطلب فلا يرزق . ( 2 ) . الكافي 3 : 500 / 12 ، تفسير الصافي 5 : 70 . ( 3 ) . الكافي 3 : 500 / 12 ، وتفسير الصافي 5 : 70 ، عن الباقر والصادق عليهما السّلام . ( 4 ) . تفسير روح البيان 9 : 159 .