الشيخ محمد النهاوندي

466

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

وَيُعِيدُ هم ، ويخلقهم ثانيا في الآخرة ، ليجازيهم على أعمالهم . وعن ابن عباس : أنّ أهل جهنّم تأكلهم النار حتى يصيروا فحما ثمّ يعيدهم خلقا جديدا ، وذلك هو المراد من قوله : إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ « 1 » . ثمّ أكّد سبحانه وعده للمؤمنين بقوله : وَهُوَ الْغَفُورُ للذنوب الْوَدُودُ بالمؤمنين ، والمحبّ لهم ، وهو ذُو الْعَرْشِ وصاحب سرير الملك والسلطنة ، أو خالقه الْمَجِيدُ والعظيم في ذاته ، والشريف في أفعاله ، وهو فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ لا يزاحمه شيء في إنفاذ إرادته ، ولا يمنعه مانع من إتمام مراده ، يفعل ما يشاء كيف يشاء ، وذكر صيغة المبالغة لكثرة أفعاله من الإحياء والإماتة والإغناء والافقار والإعزاز والإذلال وغيرها . [ سورة البروج ( 85 ) : الآيات 17 إلى 22 ] هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ ( 17 ) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ( 18 ) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ ( 19 ) وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ ( 20 ) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ( 21 ) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ( 22 ) ثمّ استشهد سبحانه على شدّة بطشه بقصة أخذه الأمم المكذّبة للرسل بقوله : هَلْ أَتاكَ يا محمد ، وهل سمعت منّا حَدِيثُ الْجُنُودِ الكافرة وخبر الجماعات المكذّبة للرسل ؟ أعني فِرْعَوْنَ وَ قومه ثَمُودَ قوم صالح ، كيف فعلوا ، وكيف فعلنا بهم وأهلكناهم بعذاب شديد ؟ فذكّر قومك بما نزل عليهم من العذاب لعلّهم يتذكّرون ، وأنّى لهم الذكرى بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا من قومك وأصرّوا على العناد والطّغيان ليسوا مثل الأمم السابقة ، بل هم أشدّ كفرا وعنادا ، لأنّهم مستقرون فِي تَكْذِيبٍ عظيم لرسالتك وكتابك بحيث لا ينصرفون عنه مع دلالة الأدلّة الباهرة على صحّتهما . ثمّ بالغ سبحانه في تسليته نبيه صلّى اللّه عليه وآله على تكذيب قومه بقوله : وَاللَّهُ القادر القاهر مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ بهم لا يقدرون على الفرار من أخذه وعذابه ، فلا تتألّم من تكذيبهم إيّاك ، فإنّي انتقم منهم أشدّ الانتقام ، وليس تكذيبهم لكتابك موهنا له ، ولا نسبته إلى الشعر والسحر والكهانة مسقطا له عن الأنظار بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ وكتاب شريف عالي القدر في الكتب السماوية الإلهية ، مثبوت ومضبوط فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ عند اللّه مصون من مساس الشياطين وتحريف المبطلين . عن ابن عباس : أنّ اللّه خلق لوحا محفوظا من درّة بيضاء ، دفّتاه ياقوتة حمراء ، طوله ما بين السماء والأرض ، وعرضه ما بين المشرق والمغرب ، ينظر اللّه فيه كلّ يوم ثلاثمائة وستين مرة ، يحيي ويميت ، ويعزّ ويذلّ ، ويفعل ما يشاء ، وفي صدر اللّوح : لا إله إلّا اللّه وحده ، ودينه الاسلام ، ومحمد

--> ( 1 ) . تفسير الرازي 31 : 122 .