الشيخ محمد النهاوندي
41
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
العذاب عليهم هَلْ مِنْ مَحِيصٍ ومفرّ أو ملجأ منه ؟ ولم يجدوه . وقيل : إنّه من كلام اللّه تعالى مخاطبا لقوم النبي صلّى اللّه عليه وآله « 1 » ، والمعنى : أنّ الأمم الماضية أهلكوا مع قوة بطشهم ، فهل لكم يا قوم محمد من محيص ومهرب عن العذاب ؟ إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور من إهلاك الأمم لكفرهم وطغياهم ، واللّه لَذِكْرى وعظة لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ يفقه به ويتفكّر فيما يرد فيها ، ويدرك سوء عاقبة الكفر والطغيان ، أو لمن كان له عقل ، كما عن الكاظم عليه السّلام . وعن ابن عباس « 2 » أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ ولم يمسكه عن سماع ما يتلى عليه من الوحي الناطق بما جرى عليهم وَهُوَ شَهِيدٌ وحاضر بذهنه ليفهم معانيه ، أو شاهد بصدقه فيتّعظ بظواهره وينزجر بزواجره . وقيل : يعني والمنذر الذي تعجّبتم منه شهيد ، كما قال : إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً « 3 » . [ سورة ق ( 50 ) : الآيات 38 إلى 41 ] وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ ( 38 ) فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ( 39 ) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ ( 40 ) وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ ( 41 ) ثمّ عاد سبحانه إلى الاستدلال على إمكان إعادة الخلق للحساب بقوله : وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ السبع وَالْأَرْضَ بطبقاتها وَما بَيْنَهُما من الموجودات فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وأوقات بلا استعانة بالغير وَما مَسَّنا وما أصابنا بذلك شيء مِنْ لُغُوبٍ وتعب ونصب حتى نعجز من إعادة الخلق ثانيا ، فانّ خلق كلّ منها بالإرادة المعبّر عنها بأمر ( كن ) بلا حاجة إلى حركة وتحمّل كلفة ومشقّة ، لاستحالة الحاجة في الواجب ، وفيه أيضا ردّ على اليهود حيث زعموا أنّ اللّه بدأ خلق العالم يوم الأحد ، وفرغ منه يوم الجمعة ، واستلقى يوم السبت على العرش واستراح . ثمّ لمّا كان شدّة إنكار المشركين رسالة الرسول والبعث والمعاد ثقيلا على قلب النبي صلّى اللّه عليه وآله ، أمره سبحانه بالصبر وتنزيهه تعالى عن العجز بقوله : فَاصْبِرْ يا محمد عَلى أذى المشركين و ما يَقُولُونَ في شأنك وشأن البعث من التعجّب من رسالتك واستبعاد البعث والإعادة بعد الموت ، كما
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 28 : 182 . ( 2 ) . الكافي 1 : 12 / 12 ، تفسير الصافي 5 : 64 ، تفسير روح البيان 9 : 135 . ( 3 ) . تفسير الرازي 28 : 183 ، والآية من سورة الفتح : 48 / 8 .